بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾[1].
امر من الله تعالى بعد استجابته دعاء موسى وهارون بإخراج بني إسرائيل من مصر ليلا، فخرجوا مشرقين نحو أرض فلسطين، فعبروا البحر بين مصر وفلسطين، ووصلوا سالمين لأنه تعالى جعل لهم أرضه يبسا بعد أن فرق لهم ماءه اثني عشر فرقا رأفة منّه بهم، وعرف فرعون وقومه فتجهّزوا وزحفوا وراءهم من أجل البغي عليهم والظلم لهم.
وقد ورد عَنْ عَبْدِ اَللهِ بْنِ جُنْدَبٍ عَنْ أَبِي اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: ((كَانَ عَلَى مُقَدِّمَةِ فِرْعَوْنَ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ وَعَلَى سَاقَتِهِ أَلْفُ أَلْفٍ قَالَ لَمَّا صَارَ مُوسَى فِي اَلْبَحْرِ اِتَّبَعَهُ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ قَالَ فَتَهَيَّبَ فَرَسُ فِرْعَوْنَ أَنْ يَدْخُلَ اَلْبَحْرَ فَتَمَثَّلَ لَهُ جَبْرَئِيلُ عَلَى مَاذِيَانَةٍ [2] فَلَمَّا رَأَى فَرَسُ فِرْعَوْنَ اَلْمَاذِيَانَةَ اِتَّبَعَهَا فَدَخَلَ اَلْبَحْرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَغَرِقُوا))[3].
وهكذا تمت آية الله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾، أي وصل إلى فرعون وأيقن بالموت والهلاك ﴿قَالَ آمَنتُ﴾، صدّقت ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ﴾، صدّقت ﴿بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، أي المستسلمين، ولكنه كان إيمان إلجاء لا يستحق ثوابا ولا ينتفع به.
لقد طلب موسى وهارون أن ينتقم الله تعالى من فرعون وقومه وجاء الجواب بأنه ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾[4].
فالانتقام من فرعون وقومه قد تحقق، إلا أن الآية لم تتعرض لتفصيلات الحادثة بل اكتفت بعبارة تتصل بفرعون وحده وهي عبارة: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ﴾.
فالقارئ سوف يستخلص بأن القوم قد غرقوا وأن فرعون عندما أدركه الغرق قال: آمنت، هذه التفصيلات لا وجود لها في القصة، وذلك لسبب فني هو، أن النص يستهدف إبراز حقيقة تتصل بفرعون دون قومه باعتباره رأس الفساد.
أما الحقائق التي برزت وتأكدت وتم التركيز عليها فيفصل الحديث فيها وهو ما نلاحظه في العرض القصصي المرتبط بفرعون في حالة غرقه وقوله (آمن) بالله تعالى، ثم التعقيب على قوله من قبل النص القرآني لهذا الكلام: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ* فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾[5].
إذن الفكرة أو القضية المستهدفة هي، أن فرعون عندما يئس من الحياة، أعلن إيمانه بالله تعالى، وأن جثته عرضت على الناس ليكون آية للآخرين، وهذان الموضوعان أو الهدفان لهما أهميتهما الكبيرة في ميدان العمل العبادي حيث أبرزتهما الآية بهذا النحو: تحسيسا بأهميتها المشار إليها، أهمية الموضوع الأول هي: أن التوبة ينبغي أن تتم في حالة الاختيار من جانب وفي فسحة من العمر من جانب آخر، والسر الفني في ذلك أن التوبة في حقيقتها ندم على ممارسة الذنب وعزم على الإقلاع منه، وهذا لا يحقق فاعليته إلا في حالة الفسحة من العمر بحيث يؤجل شهواته ويمارس الطاعة، أما في حالة الإشراف على الموت فلا فاعلية لممارسة التوبة، نظرا لعدم وجود الحياة التي يؤجل شهواته فيها، وحينئذ لا فائدة من هذه التوبة التي يضطر إليها الشخص دون أن يختارها بملء رغبته.
أما أهمية عرض جثة فرعون أمام الملإ فتتمثل في كون ذلك منبها أو محركا يحمل الآخرين على التفكير بمصير المفسدين الذين يخيل إليهم بأن سيطرتهم الدنيوية تنقذهم من المصير البائس الذي ينتهون إليه، والمهم بعد ذلك أن فرعون عندما أعلن عن إيمانه حينما رأى الموت إنما جاءت صياغة هذه الحقيقة المتصلة به إنماء عضويا لدعاء موسى (عليه السلام) عندما توجه إلى الله تعالى قائلا ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾[6]، وها هي انعكاسات كلام موسى (عليه السلام) تتنامى في أحد مصاديقها على موقف فرعون.
[1] سورة يونس، الآية: 90.
[2] فرس انثى جميلة.
[3] الاختصاص((للمفيد)، ص 266.
[4] سورة يونس، الآية: 89.
[5] سورة يونس، الآيتان: 91-92.
[6] سورة الشعراء، الآية: 201.
