بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾[1].
عندما ينظر الباحث عن الحقيقة الى ما ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يتكفل نظرتين: -
الأولى: النظر الى ما فيهما من عظيم الصنعة فيعطينا يقينا قاطعا بأن هناك صانعا لا تبلغ العقول درك كنهه؛ فإن العقل قد يدهش للأقمار الصناعية من حيث صنعتها لكنه بعد التأمل يرى أن دورانها حول الكرة الأرضية بعوامل ضمّت إليها، وترى للأرض دورانا حول الشمس في ابعاد متّزنة عظيمة جدّا لا تزول ولا تحول عنها فجلّ من افرغها في هذا النصاب المدهش، ومسألة القمر في الكائنات وما هو أعظم منه كالشمس والمجرّة وما هو اقلّ حجما وليس بأقل دهشة كالنملة والفراشة ذات الأجنحة المخططة والألوان الأخّاذة غيض من فيض ممّا في الكون وذلك ممّا يدعونا الى الاعتراف بصانع عظيم عليم حكيم.
الثانية: النظر الى ما فيهما من المجاري الحيوية فالذي يدركه الناظر في مجاري الحياة لونان:-
لون: يرى الإنسان لعين الناظر المعتبر أنه من أتعس خلقة تتصور فهناك تهجّم وتعدّ وابتزاز وانتهاز ودجل وتدليس وغش ولصوصيّة واراقة دماء وتضييق لنفس الحياة على الإطلاق، وهذا هو ما يدعو المتأثر الى الاعتراض على الخالق بل ربّما جرّبه الاستيحاش من مسير الحياة الى انكار الخالق رأسا والاعتقاد بأن هذا الكون ليس له راع يرعاه أصلا.
ولون: يرى الإنسان من المثاليين البررة الصالحين أنه من احسن ما يمكن تصوير خلقته، فيرى تعففا وحلما وعلما وسخاء وحياء وعدالة وإحسانا ومواساة كما يرى الحياة الى جنب هؤلاء من أنعم ما يتصور وإذا حصر نظره بهذا الفريق أعجبته الحياة أيّما إعجاب، ولكن مع الأسف المقيم المقعد ترى الناس الذين يحيّون بعقولهم هذه الشخصيات الموقرة يوسعونها تبريحا بأيديهم وجوارحهم استجابة الى مادة مشفوعة بأذى ودنيا مملوءة بالهنات والزفرات وجاه موصول بالذلّة والحقارة، إن شخصية الإنسان على ما يريد الله من التخلق بأخلاقه تتحطم الأقلام دون الوصول الى تخومها فنظرة الى حياة علي امير المؤمنين (عليه السلام) في شتّى جنباته من علم وحلم وسخاء ووفاء وبطولة ورجولة وهمّة عالية وعبادة وزهد وتقوى وفصاحة وبلاغة وحنكة وحكمة ممّا تدع الأقلام عاجزة والألسنة فهّمه، والعقل متحيرا هذا الإنسان الذي نظر الى ما في السموات والأرض فأكسبه نظره معرفة بخالقه تامّة حتّى عبّر عن ذلك بقوله: ((لَوْ كُشِفَ لِيَ اَلْغِطَاءُ مَا اِزْدَدْتُ يَقِيناً))[2]، وهذا الإنسان الذي نظر ايضا الى مسيرة الحياة بين الأحياء فوجدها غلطا وانحرافا فاضحا فرسم من نفسه صورة رسمت على خارطة العالم شكلين بعيدين عن النيل عريقين في الحقيقة هما معرفة الصانع والهدف من الصنعة فكان بذلك احسن معرّف لمضمون هذه الآية: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ﴾، لا يزنون الحقائق حتى يعرفوها فهم لا يملكون الايمان بأي شيء لأنّهم لا يعرفون اقلّ شيء عن الواقع الراهن ولذلك تراهم لا دنيا معهم ولا آخرة لهم.
والنتيجة: أيها الناس عندما تنظرون في العوالم العليا وعالمكم الذي تعيشون فيه من عجائب قهّارة وأوضاع جبّارة؛ فإنكم بالتفاتة واحدة إليها وتحكيم مشاعركم فيها وخلو ضمائركم من ظلمة حابسة وخبث قابض تعودون مؤمنين بالله ايمانا عاليا ومعتقدين بذاته وشريف صفاته عقيدة راسخة، لكن إذا قعد بكم جهلكم وتراجع بكم حقدكم وانكمش بكم حسدكم وردّكم الى ظلمة اليأس، خبثكم فلا يعود يؤثر شيء من ذلك في ضمائركم.
فلا ﴿تُغْنِي الْآيَاتُ﴾، ولو كانت في عداد أوضح الواضحات ولا ﴿النُّذُرُ﴾، جمع إنذار ولو كانت تهزّ أقسى العواطف عن قوم ليسوا حاضرين لأن يكونوا مؤمنين.
وقد ورد عَنْ دَاوُدَ اَلرَّقِّيِّ قَالَ: ((سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اَللهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ عَنْ قَوْلِ اَللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾، قَالَ: اَلْآيَاتُ هُمُ اَلْأَئِمَّةُ وَاَلنُّذُرُ هُمُ اَلْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ))[3].
[1] سورة يونس، الآية: 101.
[2] المناقب لأبن شهر آشوب، ج 2، ص 38.
[3] الكافي، ص 207.
