بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ۚ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾[1].
﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾، من القذارة التي تمرغتم بها بإتيانكم الذكور من الخلق، والآن تحاولونه حتى من الضيوف والأشراف العازبة أذهانهم عمّا أنتم عليه من أولاء الذكور، تنازلا في أصل الطهارة ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾، عن دنس اللواط المحرم في شرعة الله وشرعة الإنسان السليم، ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾، كمحظور ثان ﴿أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾، بأي رشد وإن كان إنسانيا مهما لم يكن شرعيا.
نعم ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾، بكل معاني الطهر، نفسيا وحسيا حيث يلبين الفطرة النظيفة، نظافة فطرية خلقية دينية وإنسانية، أي لمّا خرجوا عن حيائهم وأرادوا فعل القبيح وجاهروه به عرض عليهم نكاح بناته لأنهنّ أطهر أحلّ، لهم من الذكور، وقد دعاهم إلى الحلال.
ذلك، وقد يقال ﴿بَنَاتِي﴾، هنا تقصد إناث سدوم الخليّات، حيث الرسول في قوم هو أب لهم بل وأحرى منه، وقد يؤيده أن بناته (عليه السلام) ما كنّ كافيات لهؤلاء الجمع اللّهم إلاّ اشتراكية وإباحية في الجنس والعياذ بالله، ومن المعلوم المؤكد أن بناته لم يكنّ بعديد هؤلاء حتى يكون عرضهن لهم منعة عما ينوون، ولذلك لم يردوا عليه فيما ردوا أن عديدهن لا يساوي عديدنا. وعل الأرجح عناية الجمع في ذلك الجمع أن قصده من ﴿بَنَاتِي﴾، كافة البنات الخليات بمن فيهن بناته، وهنا تقطع كافة الأعذار من البين كما قطعت ولم يبق إلا عذر غادر غير عاذر: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾[2].
فلا حاجة إذا إلى نكران أن لم يكن له إلاّ بنتان حسب التوراة، أم اللجوء إلى احتمالات أخرى، مثل أنه عرض بنتيه أو الثلاث أما زاد لتراوح الزواج بينهن! أو أن القصد إلى أزواجهم أنفسهم، فإن ﴿مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾، تطارده، وعلّ تصديقهم ل ﴿بَنَاتِي﴾، وهم لا يصدقونه أبا للأمة، يخصصهن بخاصة بناته، عرضا لهن إلى زواج سليم، فإنها كل ما يملكه من قضاء شهوة الجنس ثم هناك حليلات أخر يكفين بغية الحاجة للبقية الباقية.
ثم ترى في عرض بناته عليهم للزواج وهم يطلبون الأدبار، لمحة أو دلالة على سماح إتيان النساء من أدبارهن؟ قد يقال: نعم لنفس الطلب، ولكنه لا حيث المطلوب من النساء بطبيعة الحال المتعوّدة هو الفروج دون الأدبار، فحتى إن كان القصد عرضهن للزواج لأدبارهن فليس هذا إلا ترجيحا للأخف حرمة على الأشد.
وقد ورد عَنْ عَطِيَّةَ أَخِي أَبِي اَلْعُرَامِ قَالَ: ذَكَرْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ اَلْمَنْكُوحَ مِنَ اَلرِّجَالِ فَقَالَ: ((لَيْسَ يُبْلِي اَللهُ بِهَذَا اَلْبَلاَءِ أَحَداً وَلَهُ فِيهِ حَاجَةٌ إِنَّ فِي أَدْبَارِهِمْ أَرْحَاماً مَنْكُوسَةً وَحَيَاءُ أَدْبَارِهِمْ كَحَيَاءِ اَلْمَرْأَةِ قَدْ شَرِكَ فِيهِمُ اِبْنٌ لِإِبْلِيسَ يُقَالُ لَهُ زَوَالٌ فَمَنْ شَرِكَ فِيهِ مِنَ اَلرِّجَالِ كَانَ مَنْكُوحاً وَمَنْ شَرِكَ فِيهِ مِنَ اَلنِّسَاءِ كَانَتْ مِنَ اَلْمَوَارِدِ وَاَلْعَامِلُ عَلَى هَذَا مِنَ اَلرِّجَالِ إِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَتْرُكْهُ وَهُمْ بَقِيَّةُ سَدُومَ أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَعْنِي بِهِمْ بَقِيَّتَهُمْ أَنَّهُ وَلَدُهُمْ وَلَكِنَّهُمْ مِنْ طِينَتِهِمْ))[3].
﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾، احذروا غضبه وتجنّبوا عقابه لإصراركم على مواقعة الذكور ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾، أي لا تلحقوا بي الخزي والعيب والعار بالهجوم على أضيافي، فإن ما يصيب الضيف من مكروه يلحق بمضيفه الذي لم يحفظ كرامته ﴿أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾، ما فيكم رجل يتمتع برشد وعقل فينهى عن هذا المنكر ويأمر قومه بالمعروف ويدلكم على سبيل الرّشد وطريق الحق.
ولكن لا حياة لمن تنادي، ف ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾[4]، فلا تلمس العظة الحكيمة الفطر المنحرفة المريضة، والقلوب الخائنة المقلوبة الآسنة، والعقول المعقولة بطوع الهوى الآنفة.
[1] سورة هود، الآية: 78.
[2] سورة هود، الآية: 79.
[3] الكافي، 5، ص 549.
[4] سورة الحجر، الآية: 72.
