بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾[1].
نحن نرى هنا كون المراد بأحسن القصص إما جميع القصص التي في القرآن لأنه بما فيه قد بلغ النهاية في الفصاحة وحسن المعاني وعذوبة اللفظ وجمال العرض مع التلازم المنافي للتنافر، ولكونه محتويا على ما يحتاج إليه البشر إلى يوم القيامة بأفصح نظم وأوضح بيان وأصرح معنى.
وإمّا كون المراد سورة يوسف وحدها لأنه سبحانه وتعالى قد قصّ ما قصّ فيها بأبدع الأساليب وأحسن وجوه العرض المبتكرة، لأنها تشتمل على العجائب والمفاجآت والعقد القصصية والأزمات والحلول الحكيمة إلى جانب ما فيها من حكم وعبر ومواعظ ونتائج يتجلى فيها لطف الله تعالى بعباده الصالحين.
وقيل إن قصة يوسف عليه السلام لأهميّتها قد ذكرت في التوراة إلى جانب قصص أخرى، وقد ذكرت قصص يوسف في العهد العتيق ولكنه سيء في جهات وحسن في أخرى، وهي في القرآن أحسن القصص في بعدين، نسبة إلى التوراة، وأخرى إلى سائر قصص القرآن من حيث كونها عبرة لأولى الألباب.
فإنه قبل وحي القرآن ما كان ليعلمه، هل بوحي يعلمه؟ ولم يكن يوحى إليه! أم بغير وحي؟ ولم يكن يعلمه أصحاب الوحي من قبل فضلا عن غير وحي!
قصص يوسف هنا في هذا القرآن تمثّل النموذج الأكمل لمنهج القرآن في الأداء الفني للقصص، قدر ما يمثل نفسيا وعقيديا وتربويا وحركيا، ويوسف هو الشخصية المثالية الرئيسية في القصة، في عرض واسع، ذكرا لما فيه عبرة لأولي الألباب وحذفا لما لا يعني إلاّ تطويل الأبواب، تذكر خوضه في مختلف الابتلاءات والفتن، وخروجه عنها كلها نقيا متجردا متبلورا خالصا عن كل رين وشين.
ومع استيفاء القصة لكل ملامح الواقعية في ذلك العرض العريض، حيث أصبحت السورة كلها صورة رائعة عن هذه الشخصية اللامعة، وعرضا لثورة أخلاقية وعقيدية في معرض الاصطدامات الشديدة، فإنها تمثّل النموذج الكامل لمنهج الإسلام في الأداء الفني الصادق الفائق لواقع القصة.
تظل القصة في ظلال ذلك الأداء الأمين الرصين نظيفة عن كل خالجة خارجة عن طور الواقع، لتجعل أولي الألباب معتبرين بالأمر الواقع، بعيدة عن التخيلات اللاّصقة، والتطفلات اللاّحقة، والترنمات الماحقة لأصالة القصة.
فالسورة بكاملها ثورة أخلاقية عقيدية جماعية سياسية اقتصادية، بمن يحتّفون بشخصيتها المحورية يوسف الصديق عليه السلام بين يعقوب الوالد الملهوف، وبين الإخوة في كل حقد ومؤامرة ومناورة، إلى أن شروه بثمن بخس دراهم معدودة، وبين عزيز مصر وامرأته بكل غرائزها واندفاعاتها الأنثوية الرديئة، وبين النسوة من طبقة عليّة في مصر الفراعنة، وبين أصحابه في السجن، وإلى أن أصبح هو عزيزا يرأس بلاد الفراعنة في كل صدق وصفاء وهيمنة الرسالة!
فإخوة يوسف أبناء أنبياء وسلالة طيبّين أبرار ومع ذلك تجاهلوا اخيهم يوسف بدون خطيئة ارتكبها مع أحد منهم، وبرغم توصية أبيهم يعقوب (عليه السلام) لهم به، إلى جانب معرفتهم به وبمرتبته ومقامه العالي.
وكذلك تجاهلت أمة محمد (صلى الله عليه وآله) حق أهل بيته (عليهم السلام) لأنهم لم يكونوا أهل دين ولا أهل عقل ولا شرف، بل كان الدّين لعقا على ألسنتهم وهم حمقى جهلاء.
والحاصل أنه سبحانه قال لنبيّه الكريم (صلى الله عليه وآله): نحن نقص عليك أحسن القصص ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَهَذَا الْقُرْآنَ﴾، أي بإيحائنا.
وإنما دخلت الباء لبيان القصص. وما: مصدرية ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ﴾، أي من قبل نزول القرآن ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾، يعني غافلا عن قصة يوسف (عليه السلام) وما فيها من تفصيلات وحكم، إذ لا يخطر ببالك ولا يقرع سمعك قطّ ما دار فيها من حوادث وأحداث ورعاية ربّانية ودروس وعبر.
فقصص يوسف هنا في هذا القرآن تمثّل النموذج الأكمل لمنهج القرآن في الأداء الفني للقصص، قدر ما يمثل نفسيا وعقيديا وتربويا وحركيا، ويوسف هو الشخصية المثالية الرئيسية في القصة، في عرض واسع، ذكرا لما فيه عبرة لأولي الألباب وحذفا لما لا يعني إلاّ تطويل الأبواب.
[1] سورة يوسف، الآية: 3.
