بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد
في مدينةٍ هادئة تُسمّى نور الهمم، كانت تعيش فتاة في الثالثة عشرة من عمرها اسمها نور.
كانت ذكية، حسّاسة، وقلبها مثل نافذة يدخل منها الضوء…
لكن نور كانت تفعل شيئًا يُتعبها دون أن تنتبه:
كانت تجرح نفسها بالكلمات كلما أخطأت!
إن تأخرت في حل واجبها تقول:
“أنا فاشلة…”
وإن لم تفهم درسًا بسرعة تهمس لنفسها:
“ما فيّ خير… ما أتعلم!”
ومع كل كلمةٍ قاسية، كانت عيناها تفقدان شيئًا من بريقها.
وفي أحد الأيام، بينما كانت تتجول في ساحة البيت، رأت جدها الحنون الحكيم يجلس تحت شجرة الليمون، يقرأ بخشوع:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
توقفت نور وقالت بتردد:
“جدي … الله فعلاً كرّم كل بني آدم؟ حتى اللي يغلطون مثلي؟”
ابتسم جدها بلطف، وأغلق مصحفه وقال:
“يا نور… الله كرّمك قبل أن تفتحي عينيك على الدنيا، أعطاكِ روحًا نقية، عقلًا يفكر، وقلبًا يحب.
نفسك هي أمانة… لا تجرحيها، لا تتعبيها، ولا تدعي أحدًا يؤذيها. حافظي عليها.
قال الله تعالى ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ حفظٌ لكرامة الإنسان، وتحذيرٌ من كل أذى يوقعه الإنسان على نفسه أو على غيره.
أتقبلين أن يشتمك أحدهم ؟
فكيف تقبلين أن تجرحي أنتِ نفسك؟”
شعرت نور أن الكلام دخل قلبها مثل نسمة دافئة.
ثم أكمل جدها:
“الكلمة التي تقولينها لنفسك ليست مجرد صوت… إنها سهم.
إن وجّهته إلى قلبك جرحكِ، وإن وجّهته برحمة قوّاكِ.
الله لا يحب إهانة النفس، بل يحب أن نحافظ على التكريم الذي وهبنا إياه.”
سألته نور بخجل:
“لكن إذا غلطت… ماذا أقول لنفسي؟”
قال جدها:
“قولي:
أخطأت، لكنني أستطيع الإصلاح.
تعثّرت، لكنني أستحق فرصة جديدة.
أنا قوية لأن الله معي.”
رجعت نور إلى بيتها وهي تستعيد الكلمات…
وفي تلك الليلة لم تسمح لذلك الصوت القاسي أن يتحكم بها.
قالت لنفسها أمام المرآة:
“أنا مكرّمة عند الله… ولن أؤذي نفسي بعد اليوم.”
ومع الأيام أصبحت نور أكثر ثقة، أكثر هدوءًا، وأكثر نورًا.
يا من تسمعين هذه الحكاية…
نفسك أمانة، فلا تجرحيها، ولا تُتْعبيها، ولا تسمحي لأحد أن يؤذيها.
الله قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
فكوني وفيّة لهذا التكريم… وكوني صديقة نفسك لا عدوّتها.
