بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾[1].
﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، فمن رفعها؟ ومن دعمها؟ إلاّ هو الله الواحد القهار.
﴿السَّمَاوَاتِ﴾، جمعا هي السبع الطباق، فحين نراها دون وثاق، والمرفوع في الجو بلا وثاق يدعمه مستحيل في العقول، فليكن لها «عمد لا ترونها» فثم عمد ولكن لا ترونها فإن «ترونها» تصف العمد وهي جمع العماد، ولولا عمد تدعمها لكانت «ترونها» زائدة بائدة، فهو توصيف احترازي عن عمد غير مرئية، إذا فهي «رواسخ بلا عمد، قائمات بلا سند» مرئية: «سقفا محفوظا وسمكا مرفوعا بغير عمد تدعمها ولا دسار ينظمها» ولا رفع إلاّ برافع، ولا حفظ ولا سمك إلاّ بحافظ وسامك ممسك! وقد ذكرت ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، في القرآن (190) مرة، ولا رفع لها إلاّ هنا ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾[2]، و ﴿أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا* رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾[3]، و ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾[4].
فالسماوات المرفوعة بأجرامها الضخمة الثقيلة فإنها ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾، إنها تدلنا على رافع رفعها، ثم بقاءها مرفوعة محفوظة عن التساقط دليل على داعم يدعمها، ولأن الرافع الداعم لا يرى فلنؤمن بمن لا يرى بما يرى، فإن ما يرى دليل على ما لا يرى، وعلّ الجمع في ﴿عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، يوحي بعمد لا ترى، فالله تعالى هو العماد الأصيل في كل كثير وقليل، ثم الجاذبية وهي من المدبرات امرا من قبل الله، حيث أبى الله عز وجل أن يجري الأمور إلاّ بأسبابها، وهو مسبب للأسباب، فهو العماد الاوّل المسنود إليه إمساكها: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾[5].
فقصارى ما يرفعه الناس في هذه الكرة الصغيرة الهزيلة، لا تتعدى بناية أو برجا أو طائرة، وكل ذلك بحاجة إلى دعامة بحسبها، فكيف بالإمكان أن تحفظ هذه السماوات المبنية العظيمة بهذه الأجرام الهائلة، تحفظ مرفوعة بلا عمد ولا دسار ينظمها، فإذ لا ترى عمدها فلتكن هناك عمد ولكن لا ترونها! ولماذا يبتدئ في ذلك العرض العريض بالسموات البعيدة عنا دون الأرض القريبة منا وهي كما السموات مرفوعة في جوها بغير عمد ترونها؟ لأن رفع السماء وبقاءها في جو الفضاء بغير عمد ترونها معلوم لكل ناظر إليها، ولكنما الأرض على كونها معلقة في جو الفضاء كما السماء لم تكن ظاهرة التعلق والعلقة، إذ كانوا يزعمونها وإلى الآن مستقرة على دعامة، مهما دلت على كونها معلقة آيات عدة وروايات مسرودة في محالها، مؤيِّدة للعلم، ومؤيَدة به لغير ذوي العلم، ومن آياتها هي الجامعة بينهما كآية الإمساك: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾[6]، وإمساكهما بعد زوالها دون خلقهما مرة أخرى يدلنا أن زوالهما هو تساقطهما عن محالهما، دون انعدامهما، فكما السموات بحاجة إلى إمساك عن السقوط كذلك الأرض.
ولأن دخان السماء رفع قبل تسبيعها: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾[7]، إذا فرفع السماوات رفع ثان لذلك الدخان اقتساما له إلى سبع وجعله طباقا فوق بعض، وفي ذلك الرفع الرفيع خلق الأنجم لأنه تكملة لبناء السبع الطباق وبعده استواء لله على عرش الملك والتدبير، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، مما يؤكد خلقهما في ذلك الرفع، وهما من أنجم المجرة الأدنى إلى أرضنا ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾، وهو أجل قيامتهما ضمن القيامة العامة الطامة ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾، في السماوات والأرض وما بينهما ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾، تكوينا وتدوينا وكل ذلك ﴿لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾، لقاء المعرفة في الأولى والأخرى، ولقاء الجزاء يوم الجزاء.
[1] سورة الرعد، الآية: 2.
[2] سورة الرحمن، الآية: 7.
[3] سورة النازعات، الآيتان: 27 – 28.
[4] سورة الطور، الآية: 5.
[5] سورة الحج، الآية: 65.
[6] سورة فاطر، الآية: 41.
[7] سورة فصلت، الآية: 11.
