بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ ۚ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلّٰهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾[1].
هذه الآية الكريمة من سورة الرعد تتضمن عنصرا صوريا بالغ الأهمية، كما تتضمن عنصرا لفظيا يقوم على التكرار الفنيّ، لا بدّ من الوقوف عندهما لملاحظة صياغتهما من جانب، وعلاقتهما بموضوع السورة الكريمة التي تحوم عليه من جانب آخر.
أما العنصر الصوري فيتمثّل في: مجموعة من التشبيهات المثيرة التي وظفت فنيّا لإنارة الفكرة التي تقوم عليها السورة الكريمة، ونعني بها فكرة أن أكثر الناس لا يؤمنون بالحق الذي أنزله الله تعالى، وفي مقدمة هذه الأكثرية: أولئك الذين اتخذوا من دون الله أولياء، حيث يخاطبهم النص على لسان النبيّ (صلى الله عليه وآله) قائلا: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾.
فهنا نواجه ثلاث تشبيهات (اَلْأَعْمى واَلْبَصِيرُ، اَلظُّلُماتُ واَلنُّورُ، خَلَقُوا كَخَلْقِهِ).
هذه التشبيهات، بعضها ينتسب إلى التشبيه المألوف الذي يعتمد أداة التشبيه (الكاف) مثل التشبيه الأخير ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلّٰهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾، وبعضها ينتسب إلى ما نسميه ب (التشبيه المضاد أو المتقابل) مثل تشبيهي (اَلظُّلُماتُ واَلنُّورُ) و (اَلْأَعْمى واَلْبَصِيرُ).
ولكل من التشبيهات المذكورة مسوّغه الفني والفكري.
ولنقف أولا عند التشبيه المضاد أو المتقابل: -
إن أهمية التشبيه القائل ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾، والتشبيه القائل: ﴿هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾، تتمثل في أنّ المعرفة بالشيء تتعمق حينا من خلال الأضداد بين الأشياء حيث يعرف الشيء من خلال ضده، فنحن نتبيّن أهمية النهار من خلال مقارنته بالليل، ونتبيّن أهمية البصر من خلال مقارنته بالعمى، ونتبين أهمية النور من خلال مقارنته بالظلمة، وهكذا.
لذلك، فإن التشبيه الذي يعتمد في تركيبته على وجود الشبه بين الشيئين، لا تنحصر فاعليته في رصد العلاقات المتشابهة بين شيء وآخر، بل يتجاوزه أيضا إلى رصد العلاقات المتقابلة بين الشيئين: أي العلاقة التي تقوم على التضاد بينهما، وهو ما نلاحظه بوضوح في التشبيهين المشار إليهما (الأعمى والبصير والظلمات والنور)، وبما أنّ النص القرآني كان في صدد الحديث عن مفهوم التوحيد ومفهوم الشرك: ﴿أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾، حينئذ فإن المقارنة بين من يتخذ من دون الله أولياء لا يملكون نفعا ولا ضرا (مثل الأصنام)، وبين الله تعالى، تستلزم تقديم صورة فنية تقوم على المقارنة بين من يملك فاعلية مطلقة وبين من يفتقد الفاعلية حتى في أبسط مستوياتها، وهو ما يتمثل في صورتي التشبيه التي يقارن بين البصير الذي يرى كل شيء وبين الأعمى الذي لا يرى أيّ شيء، والتشبيه الذي يقارن بين النور الذي يضاء به كل شيء وبين الظلمات التي لا نور فيها .
وبما أنّ المقارنة بين فاعلية الله تعالى وبين انعدام الفاعلية لدى غير الله تعالى لا تنحصر في عملية الإبداع الكوني فحسب، بل تتجاوزها إلى مفهوم الخير المطلق لدى الله تعالى، حينئذ نجد أن النص القرآني الكريم يقدّم صورتين ترتبطان بمفهوم البصر والنور مقابل العمى والظلمة، بصفة أن البصر والنور تتّسع دلالتهما لتشمل جميع الفاعليات الكونية من إرادة لله تعالى وقدرته وهيمنته وخيره المطلق الخ، حيث أن النور مقابل الظلمات يرمز إلى مطلق الخير كما هو واضح، كما أن البصر مقابل العمى يرمز إلى مطلق المعرفة، فإذا اقترنت المعرفة بالخير: حينئذ تكتسب دلالة الوجود سمة التكامل كما هو بين، وهو ما يفسّر لنا واحدا من الأسرار الفنية الكامنة وراء تقديم تشبيهين لا التشبيه الواحد فحسب في هذا الصعيد.
والمهمّ بعد ذلك أن عنصر التشبيه جاء في سياق الحديث عن فكرة السورة التي تحوم على مفهوم أن أكثرية الناس لا يؤمنون بالحق الذي أنزله الله تعالى.
[1] سورة الرعد، الآية: 16.
