بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[1].
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم﴾، فكل من أناب إلى الله مؤمن به تعالى قبل أن يأتيه ذكره، ثم بذكره يطمئن قلبه بالإيمان، و ﴿ذِكْرِ اللهِ﴾، هو كل ما يذكر الله من ذكرى أنفسية فطريا وعقليا، أنسا به، واعتمادا عليه، ورجاء منه.
أو ذكرى آفاقية من كتاب الذكر ورسول الذكر أم أي ذكر، والكون كله ذكر لله فإنه كله آية لله.
أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته، كقوله: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾[2].
أو بذكر دلائله الدالّة على وجوده ووحدانيّته.
وأفضل الذكر الوحي هو القرآن وعلى ضوئه الرسول، ثم من يحمل رسالته معصوما.
فما آية الرسالة إلاّ ذكرا تطمئن به قلوب مؤمنة من ذي قبل، وفي ذكر القرآن وآياته البارعة الخالدة كفاية عن كل ذكر: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ ۖ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ* أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا..﴾[3]، والقرآن شهادة كافية وآية ورحمة وذكرى وافية تدليلا على هذه الرسالة السامية! وآية الذكر هذه هي الوحيدة في بقية القرآن، المنقطعة النظير في هذا الكتاب البشير النذير، وقد تحلّق على كل ذكر بدرجاته، كما تطمئن القلوب به بدرجاته ودرجاتها.
وقيل: المراد بالذكر كما ورد عَنْ خَالِدِ بْنِ نَجِيحٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ: ((فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلا بِذِكْرِ اَللّٰهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ﴾، فَقَالَ: بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ تَطْمَئِنُّ وَهُوَ ذِكْرُ اَللهِ وَحِجَابُهُ))[4].
وقيل: هو ما وعد الله به من النعيم والثواب، فإن وعده سبحانه صادق ولا شيء تطمئنّ النفس إليه أبلغ من الوعد الصادق كما هو مجرّب بين العباد، فكيف به بين العباد والمعبود وهو أصدق الصادقين؟
واعلم أنّ الإكسير إذا وقعت ذرّة منه على الجسم النحاسيّ انقلب باقيا على كرّ الدهور والأزمان لا يفسده شيء حتى ولو وقع تحت التراب فإنه لا يتطرّق إليه الفساد ولا يؤثر فيه التّراب، ويكون صابرا على الذوبان في النار.
فإكسير معرفة الله وجلاله إذا وقع في القلب كذلك يغلبه جوهرا صافيا باقيا نورانيّا لا يقبل التغيّر والفناء والتبدّل، ولذلك قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، تقرّ وتهدأ.
وبعبارة أخرى: الموجودات على ثلاثة أقسام: -
مؤثّر لا يتأثر وهو الباري تعالى.
ومتأثّر لا يؤثّر وهو الجسم الذي ليس له إلاّ القبول والانفعال.
ثم الموجود الذي يؤثّر في شيء ويتأثّر عن شيء، وهو الموجود الرّوحاني، ذلك أن الموجودات الروحانيّة إذا توجّهت إلى جهة اللاهوتيّة وإلى الحضرة الإلهية صارت قابلة للآثار الفائضة عن مشيئة الله وقدرته وتكوينه وإيجاده فأوجدت وتكوّنت وتأثّرت، وإذا توجّهت إلى عالم الناسوت والأجسام اشتاقت إلى التصرّف فيها، ذلك أن عالم الأرواح مدبّر لعالم الأجسام.
وبالنتيجة فإن القلب كلّما توجّه إلى مطالعة عالم الأجسام، كلما حصل فيه الاضطراب والقلق والميل الشديد إلى الاستيلاء عليها والتصرّف فيها.
أما إذا توجّه إلى مطالعة حضرة الإله المعبود، فإنه تحصل فيه أنوار الصمديّة الإلهية فيسكن ويطمئنّ بذكره ومعرفته، فبذكره عزّ وجلّ والتوجّه إليه تطمئن قلوب العارفين والمؤمنين. والذكر والتوجّه إنما ينشئان من المعرفة التي لولاها لما كانا أبدا.
ثمّ إنّ القلب كلّما وصل إلى شيء يريده فإنّه يطلب الانتقال منه إلى حالة اخرى أشرف منها؛ لأنّه لا سعادة في عالم الأجسام إلّا وفوقها مرتبة اخرى من اللذّة، أمّا إذا انتهى القلب إلى السعادة بالمعارف الإلهيّة بقي واستقرّ فلم يقدر على الانتقال منه؛ لأنّه ليس هناك درجة اخرى في السعادة أعلى منها وإنّما هي الدرجة ليس فوقها غيرها، نعم هذه الدرجة قابلة للزيادة والتكميل فالاطمئنان قد حصل بذكره واستقرّ القلب.
[1] سورة الرعد، الآية: 28.
[2] سورة الزمر، الآية: 23.
[3] سورة العنكبوت، الآيات: 50 - 52.
[4] تفسير العياشي، ج 2، ص 211.
