بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد و آل محمد
قال الله تبارك وتعالى:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾
[الأنعام: 73]
وقال سبحانه:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾
[الرعد: 9]
وقال عزّ وجلّ:
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾
[المؤمنون: 91–92]
وقد تكرر هذا التعبير في آياتٍ عديدة من القرآن الكريم، مما يدل على أهمية العلاقة بين هذين العالمين.
هل عالم الغيب وعالم الشهادة عالمان منفصلان؟
ليس عالم الغيب وعالم الشهادة وجودين منفصلين بينهما علاقة تقارن أو تلازم، كعلاقة الإنسان بمكانه أو زمانه، بل العلاقة بينهما أعمق من ذلك بكثير.
إن علاقة عالم الشهادة بعالم الغيب هي علاقة الإحاطة والقيومية؛ أي أن عالم الغيب محيط بعالم الشهادة، وعالم الشهادة محاط به.
ولهذا عبّر القرآن الكريم عن هذه العلاقة بمفهومي المُلك والمَلكوت.
الفرق بين المُلك والمَلكوت
قال الله تعالى:
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[الملك: 1]
فـ المُلك هو عالم الشهادة، عالم المادة، العالم الظاهر.
وقال سبحانه:
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
[يس: 83]
أما المَلكوت فهو العالم المحيط، القائم على هذا العالم، المسيطر عليه، ومنه يكون البدء وإليه يكون الرجوع.
فكل ما كان منه البدء وإليه الرجوع، فلابد أن تكون نسبته إلى هذا العالم نسبة المحيط إلى المحاط.
هل يوجد حاجز بين العالمين؟
لا يوجد حاجز حقيقي بين عالم الغيب وعالم الشهادة، بل الحاجز هو قصور الإنسان عن الإدراك.
فعالم المَلكوت معنا، وفينا، وفوقنا، وتحتنا، ولا توجد ذرة في عالم المادة إلا وهي محاطة بعالم الغيب، لكن الإنسان لا يدرك ذلك بسبب انفعاله بعالم الزمان والمكان.
قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾
[الأعراف: 179]
إنهم غافلون عما يحيط بهم، وعما يؤثر فيهم تأثير القيومية.
مثال توضيحي
الإنسان لا يستطيع فتح عينيه أمام ضوء الشمس وقت الظهيرة، لا لوجود حاجز بينه وبين الشمس، بل لقصور بصره عن تحمل النور.
وكذلك عدم إدراكنا لعالم المَلكوت ليس بسبب حاجز خارجي، بل بسبب قصورنا الداخلي الناتج عن تعلقنا بعالم المادة.
انكشاف الغطاء عند الموت
قال الله تعالى:
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾
[ق: 19–22]
أي أن ما يراه الإنسان عند الموت لم يكن جديدًا، بل كان موجودًا، غير أن الغفلة هي التي حالت دون إدراكه.
كلام أمير المؤمنين عليه السلام
قال أمير المؤمنين علي عليه السلام:
«لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقينًا»
[مناقب آل أبي طالب، ابن شهرآشوب، ج1 ص317 – كشف الغمة، الإربلي، ج2 ص1108]
أي أن إدراكه لعالم المَلكوت كان كاملًا، لا يحتاج إلى رفع حجاب.
الخلاصة
لا يوجد حاجز حقيقي بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإنما الحاجز هو ما نسجه الإنسان بنفسه من غفلة وانشغال بعالم الزمان والمكان.
ولو سيطر الإنسان على غرائزه وقواه، لانكشف له هذا العالم، ولأيقن أن المَلكوت حاضرٌ معه في كل لحظة.
ما الفائدة من فهم العلاقة بين عالم الغيب وعالم الشهادة؟ 1️⃣ الطمأنينة العميقة وزوال القلق
عندما يفهم الإنسان أن عالم الغيب محيط بهذا العالم، وأن الأمور ليست متروكة للصدفة، يهدأ قلبه.
لا يعود الخوف مسيطراً عليه؛ لأن ما يجري في عالم الشهادة قائم بقيومية الله وتدبيره في عالم الغيب.
تشعرين أن هناك «يدًا رحيمة تدير كل شيء».
2️⃣ التحرر من هيمنة المادة والزمان
فهم هذا المطلب يجعل الإنسان:
لا يُستعبد للمال
لا ينهار أمام الخسارة
لا يُفتن بالنجاح الدنيوي
لأنه يرى أن المادة ليست الأصل بل المظهر، وأن الحقيقة أعمق من اللحظة والظرف.
3️⃣ زيادة اليقين لا مجرد الإيمان
كثيرون يؤمنون، لكن قليلين يوقنون.
هذا الفهم ينقل الإنسان من:
«أؤمن بالله»
إلى
«أعيش بحضور الله»
وهنا يتحول الإيمان من فكرة إلى حالة قلبية ثابتة.
4️⃣ الحضور مع الله في كل لحظة
إذا أدرك الإنسان أن عالم المَلكوت حاضر معه:
في عمله
في بيته
في ألمه
في وحدته
فلن يشعر بالوحدة أبداً، لأن الغيب ليس بعيدًا عنه بل محيطًا به.
5️⃣ تهذيب السلوك وضبط النفس
من يفهم أن كل حركة في عالم الشهادة لها امتداد في عالم الغيب:
يستحي أن يعصي
يراقب نفسه بلطف
يزهد في الظلم
يختار الصدق
ليس خوفًا فقط، بل وعيًا بحقيقة الوجود.
6️⃣ فهم الموت بلا رعب
الموت عند هذا الفهم:
ليس فناءً
ولا انتقالًا إلى المجهول
بل انكشاف لما كان موجودًا
ولهذا يخفّ الخوف، ويحلّ الاستعداد الهادئ.
7️⃣ الخروج من الغفلة
قال تعالى:
﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا﴾
فهم هذا المطلب:
يوقظ القلب
يجعل الإنسان أكثر انتباهاً
يرى المعنى خلف الأحداث
8️⃣ قوة داخلية وثبات عند الابتلاء
من يعرف أن عالم الغيب هو المحيط:
لا ينهار عند البلاء
لا يستعجل الفرج
يثق أن كل ألم له حكمة
وهذا يمنح الإنسان قوة صامتة.
