بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم والعن اعدائهم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال المولى امير المؤمنين(عليه السلام) في دعاء كميل : ((وَأَجْتَمِعَ فِيْ جِوَارِكَ مَعَ المُؤْمِنِيِنَ))
إنَّ الداعي بعد أنِ انتهى من دعائه وطلبه إلى مولاه في دعواته (الخمس) السابقة من أصل الدعوات (الست) في هذه الفقرة المباركة من الدعاء وهي:
(في مَيادينِ السّابِقينَ، وفي الْبارِزينَ، وفِي الْمُشْتاقينَ، ودُنُوَّ الْمُخْلِصِيْنَ، ومَخَافَةَ المُوْقِنِيْنَ)، نكمل الغاية السادسة الأخيرة؛ لنكون على بينة من تلك المقامات الرفيعة التي يبتغيها العبد من الله مولاه؛ فيتقرَّب إليه على أحسن حال يكون عليه.
وَأَجْتَمِعَ فِيْ جِوَارِكَ مَعَ المُؤْمِنِيِنَ.
إنَّ هذه الغاية المباركة السادسة التي يرجو أنْ يصل إليها العبد من الغايات المهمة، حيث ذلك القرب من الله تعالى، وذلك المقام الذي يرى الإنسان أنه بجوار مولاه، وأنه غير بعيد عنه كما قال تعالى في وعده المبارك:
((وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)) [ق: ١٦]، بل هو معه دائمًا ويفخر بهذه المعية الإلهية له
(مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا)) [المجادلة: ٧]. فالعبد إذا كان بهذا القرب من المولى فعليه أنْ يعلم أنَّه على منزلة كبيرة، وشرف عظيم، فلا بد أنْ يراقب نفسه تمامًا؛ لئلا يفقد ذلك من خلال معصية لا سمح الله، أو غفلة عن رضاه، حيث أنه لم يصل إلى ذلك بعد جهادٍ كبيرٍ، وكدحٍ عظيمٍ.
وفي هذه الغاية رسالة مباركة إلى أمور متعددة يمكن بيانها إجمالًا:
١-ضرورة أنْ يكون للعبد أملٌ كبيرٌ، وأمنياتٌ عظيمةٌ، ولا يكتفي بأقل النتائج والدرجات مع الله تعالى، بل يبقى في سعيه المتواصل حتى يحقق أغلى الغايات وأعظمها في سيره التكاملي الجهادي للنفس، كما قال تعالى:
((وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:٧٢] فعلينا التفكير بما هو أكبر، وما في ذلك من التنمية للقدرات الإيمانية.
2- أهمية تفكير العبد أنْ يكون بين يدي المولى، وتحت نظره، وعدم الابتعاد عنه، أو الغفلة في كُلِّ ما يصدر عنه من نيَّة، أو قول، أو فعل، فيكون حقيقة (في جواره) فهذه المجاورة لها آثار كبيرة في بناء الشخصية، وسلوكها في التعامل مع الآخرين، بما يكون العبد مصدرَ عطاء وخير دائِمَين، كما قال تعالى:
((وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم: ٣١] فيجب أنْ تبقى هذه الصلة مع الله والطهارة للنفس دائمة.
٣- بيان مقام المؤمن عند الله تعالى في الدنيا والآخرة (مع المؤمنين)، فَطَلَبُ العبد أنْ يكون مع المؤمنين فيه دلالة على مقامهم، ورفيع منزلتهم عند الله تعالى، وهذه حقيقة لا بد من الالتفات إليها، حيث يكفي في ذلك الوعد الإلهي لعباده المؤمنين والدفاع عنهم بقوله:
((إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا)) [الحج: ٣٨].
فالعبد إذا وصل إلى درجة الجوار من المولى، ومع أخوته المؤمنين في منزل ودرجة واحدة فهذه أمنية ودعوة مباركة مهمة تحتاج حقيقة إلى بذل الجهد الأكبر للوصول إليها، والفوز بآثارها الكريمة.
أخيرًا نقول :
إنها دعوة مباركة لمجاورة الله تعالى مع عباده المؤمنين الذين آمنوا بكُلِّ ما صدر عنه عز وجل، فنالوا هذه الدرجات، فهذه الغاية هي غاية رفيعة وعلينا التأمل كثيرًا في مقام ذلك (الجوار) و مقام (الإخوة الإيمانية).
