بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وألعن عدوهم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وألعن عدوهم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السؤال:
يقول الكرجيّ القصّاب: (وفي موت هارون قبل موسى - عليه السلام - أدلّ دليلٍ أنَّه أراد خلافة الحياة، لا خلافة الموت) [نكت القرآن 4/ 110].
الجواب:
رُوي حديثُ المنزلة بطرقٍ متعددةٍ من الفريقين، العامّة والشيعة، وفي مواطن مختلفة، كحديثه في بيت أمّ سلمة [ينظر: تاريخ دمشق ج42 ص42]، وفي قصّة المؤاخاة [ينظر: فضائل الصحابة ج2 ص663]، ويوم فتح خيبر [ينظر: المناقب ص111]، وغيرها من المواضع، وقد ورد الحديث بأسانيد كثيرةٍ، وكثيرٌ من طرقه صحيحٌ على مباني علماء أهل السنّة [ينظر: حديث المنزلة للسيّد الميلانيّ ص9-17].
وبعد ثبوت صدور الحديث عن النبيّ (ص)، ووضوح دلالته على إمامة أمير المؤمنين (ع)، ظهرت المغالطات والتحريفات في تفسيره، ومن أهمّها: ما ذكره جمعٌ من علماء المخالفين كالكرجيّ القصّاب، وتبعه القاضي عبد الجبار، والإيجيّ وغيرهم، فزعموا أنّ النبيّ (ص) لم يُرِد من هذا الحديث إثبات الخلافة المطلقة لعليّ (ع)، بل أراد خلافةً مقيدةً بزمان حياته، مستدلّين على ذلك بقرينة موت هارون قبل موسى (ع).
ويمكن مناقشة هذا القول من عدّة جهات:
الجهة الأولى: دلالة ألفاظ الحديث على الخلافة المطلقة:
فإنّ لفظ (المنزلة) في قوله (ص): «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، اسمُ جنسٍ مضافٌ إلى معرفة، وهي «هارون»، وقد نصّ كبار علماء الفقه واللغة والأصول من العامّة و الخاصة على أنّ اسم الجنس إذا أُضيف أفاد العموم [ينظر: المجموع ج17 ص75، المغني ج11 ص306، كشف القناع ج5 ص366]، فإضافة لفظة «المنزلة» إلى «هارون» تقتضي شمول جميع المنازل التي كانت لهارون بالنسبة إلى موسى، لعليٍّ (ع) بالنسبة إلى النبيّ (ص).
وذكر القرآن الكريم جملة من المنازل لهارون، وذلك في قول الله تعالى على لسان نبيّه موسى (ع): {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}، فأجاب الله تعالى دعاءه في قوله: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} [طه: 29-36]، وكذلك في قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} [الأعراف: 142]. للمزيد من البحث ينظر جواب السابق من المركز بعنوان: (منازل أمير المؤمنين (ع) من رسول الله (ص) في حديث المنزلة).
وهذه المقامات لم تكن مقيّدة، بل مطلقة، وحيث قد تحقّق له مقام الخلافة، فإنّه لا يتقيّد بزمانٍ ولا مكانٍ، فهو خليفته ما دام حيّاً، وإنّما ينقطع ذلك بموت هارون، وقد مات هارون في حياة أخيه، لكنّ عليّاً (ع) بقي حيّاً بعد رسول الله (ص) ثلاثين سنة، فبقيت هذه المنازل له باستثناء النبوّة، ومنها الخلافة ما دام حيّاً أيضاً.
وقد قرّر هذه الحقيقة الشيخ المفيد بقوله: (إنّ هذه المنازل كلّها كانت لهارون من موسى (ع) في حياته، وإيجاب جميعها لأمير المؤمنين (ع) إلّا ما أخرجه الاستثناء منها ظاهراُ، وأوجبه بلفظ يعدله من بعد وفاته، وبتقدير ما كان يجب لهارون من موسى لو بقي بعد أخيه، فلم يستثنِه النبيّ (ص)، فبقي لأمير المؤمنين (ع) عموم ما حكم له من المنازل، وهذا نصٌّ على إمامته، لا خفاء به على من تأمّله، وعرف وجوه القول فيه، وتبيّنه) [الإفصاح ص33].
الجهة الثانية: دلالة الاستثناء الوارد في الحديث على العموم:
قال جلال الدين المحلّيّ في شرحه على جمع الجوامع في مبحث العموم والخصوص ومعيار العموم الاستثناء، فكلّ ما صحّ الاستثناء منه ممّا لا حصر فيه فهو عامّ).
وبناءً على هذا المعيار، فإنّ وجود الاستثناء في حديث النبيّ (ص): «إلّا أنّه لا نبيّ بعدي»، يدلّ على أنّ ما قبل الاستثناء ـ أي لفظ «المنزلة» ـ عامّ يشمل جميع المنازل والمراتب التي كانت لهارون من موسى، باستثناء النبوّة فقط، ولو لم يكن المراد من الحديث إطلاق المنزلة لعليٍّ (ع) حتّى بعد وفاة النبيّ (ص)، لَمَا كان لهذا الاستثناء أيّ معنى أو فائدة؛ لأنّ النبوّة منتفية عن عليٍّ (ع) سواء في حياة النبيّ أو بعد وفاته.
فلو كانت منازل هارون ثابتة لعليٍّ (ع) في حياة النبيّ فقط، لَمَا احتيج إلى استثناء النبوّة؛ إذْ لا يُتصوَّر أن يكون عليٌّ نبيًّا في حياة النبيّ (ص) أصلاً، فوجود الاستثناء يدلّ بوضوح على شمول الحديث لكلّ منازل هارون، باستثناء النبوّة، في جميع الأزمنة، حتّى بعد وفاة النبيّ (ص).
ويؤيّد هذا الفهم: ما ورد في بعض طرق حديث المنزلة من تصريح النبيّ (ص) بالخلافة بعده، فقد قال في بعض ألفاظه: «أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلَّا أّنك لست بنبيٍّ، إنّه لا ينبغي أنْ أذهب إلا وأنت خليفتي»، وفي روايةٍ أخرى: «إلا أنه لا نبيّ بعدي، إنه لا ينبغي أنْ أذهب إلا وأنت خليفتي في كلّ مؤمنٍ من بعدي» [ينظر: السنة لابن أبي عاصم ص551، مسند أحمد ج3 ص333، خصائص امير المؤمنين للنسائيّ ص64، المعجم الكبير ج12 ص78، المستدرك ج3 ص133].
فمجموع هذه الروايات تؤكّد أنّ النبيّ (ص) أراد بحديث المنزلة إثبات جميع منازل هارون لعليٍّ (ع)، ومنها الخلافة بعده، دون أنْ يختصّ ذلك بزمان حياته.
الجهة الثالثة: ثبوت شأن الخلافة لهارون استقلالاً عن حياته أو وفاته:
فإنّ لفظة «المنزلة» في اللغة تعني المرتبة، ويقال: استُنزِل فلان، أي حُطَّ عن مرتبته، وأمّا «المنزل» فهو بمعنى المقام، قال سيبويه: وقالوا هو مني منزلة الشغاف، أي هو بتلك المنزلة [ينظر: لسان العرب ج11 ص658].
وعلى هذا الأساس، يكون معنى حديث المنزلة: يا عليّ، إنّ مرتبتك وقربك ومقامك عندي، كمرتبة وقرب ومقام هارون (ع) من موسى (ع)، إلّا النبوّة.
فالمقصود من الحديث ليس التشبيه في الأحداث الخارجيّة أو الوقائع التاريخيّة التي وقعت لهارون، بل التشبيه في المنزلة والمقام، فالنبيّ (ص) لم يقل لعليٍّ (ع): (كما أنّ هارون تولّى الخلافة أربعين يوماً، فستتولاها أنت كذلك)، بل أراد أن يبيّن أنّ لعليٍّ (ع) نفس المنازل التي كانت لهارون: من الأخوّة، والوزارة، والخلافة، وشدّ الأزر، والاشتراك في أمر الرسالة، باستثناء النبوّة.
وهارون (ع) كان يتمتّع بهذه المقامات نفسها في حياة موسى (ع)؛ إذ كان خليفته ووزيره وأخاه وشريكه في أمر الرسالة، وإن لم يتولَّ الخلافة فعلاً بعد موسى بسبب وفاته في حياته، إلّا أنّ منصب الخلافة كان ثابتاً له بالاستحقاق، بحيث لو امتدّت حياته بعد موسى لكان هو الخليفة بلا ريب؛ إذْ إنّ شأن الخلافة قد تحقّق فيه بالفعل.
وكذلك الحال في أمير المؤمنين عليّ (ع)، فإنّه بمقتضى حديث المنزلة قد حاز شأن الخلافة عن النبيّ (ص) في حياته، فمتى فُقِد النبيّ (ص) وكان عليٌّ (ع) باقياً، كان هو الخليفة الشرعي للنبيّ (ص) بحكم ثبوت المنزلة والمقام له [ينظر: عبقات الأنوار ج2 ص74-76].
وعلى هذا القياس، فإنّ عليّاً (ع) قد ثبت له - بمقتضى حديث المنزلة - شأن الخلافة عن النبيّ (ص)، بحيث يكون خليفته بعد غيابه أو وفاته؛ إذ إنّ العبرة في الحديث بثبوت المنزلة والمقام، لا بتحقّق الفعل الخارجي للخلافة.
وقد أشار الشيخ الصدوق إلى هذا المعنى،
فقال بتقريبٍ منا: لو أنّ الخليفة قال لوزيره: لزيدٍ عليك في كلّ يومٍ يلقاك فيه دينار، ولعمروٍ عليك مثل ما شرطته لزيد، ففي هذه الحالة، يجب لعمروٍ كلّ ما وجب لزيد، فلو جاء زيد إلى الوزير ثلاثة أيّام فأخذ ثلاثة دنانير، ثم لم يأتِ بعد ذلك، بينما استمرّ عمرو في المجيء أيّاماً أخرى، فإنّ على الوزير أن يعطي عمرو ديناراً في كلّ يومٍ يأتيه، ما دام حيّاً، حتّى لو كان زيد لم يقبض إلّا ثلاثة أيّام فقط.
ولا يجوز للوزير أنْ يقول لعمرو: لن أعطيك إلّا بقدر ما أخذ زيد؛ لأنّ الشرط كان مطلقاً، فكلّما جاء زيد أُعطي ديناراً، وكذلك عمرو، فبقاء عمرو يوجب استمرار العطاء له.
وهكذا الحال في القياس بين عليٍّ وهارون عليهما السلام: فكما كان من شأن هارون أن يخلف موسى عليه السلام في قومه لو بقي بعده، كذلك ثبت لعليٍّ عليه السلام أن يكون خليفة النبيّ صلى الله عليه وآله في أمّته ما دام حيًّا [ينظر: معاني الأخبار ص76].
وللمزيد يمكن مراجعة المصادر التالية: كتاب حديث المنزلة للسيّد عليّ الميلانيّ، الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد ص222-228، معاني الأخبار ص74-80، وغيرها.
اَللَّهُمَّ اكْشِفْ هَذِهِ الْغُمَّةَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ بِحُضُورِهِ وَعَجِّل لَّنَا ظُهُورَهُ (( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً )).
