بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا ۖ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾[1].
قارن سبحانه بين العذاب الشاق الذي ذكره للكفرة آنفا وبين النعيم الذي أعدّه لمتقيه الخائفين له خوف عبد عارف بنعمة سيّده، وإن هذا النعيم الموعود هو ما تقرّ به العيون وتثلج به الصدور.
فالمبتدأ هو المثل الاول المذكور ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ..﴾، والخبر المثل الثاني المحذوف بقرينة المقام،
أي لو اردت أن تعلم المماثل للجنة الاخروية، فافرض في الدنيا جنة تجرى من تمام أرضها الانهار من غير الاضرار بكثرة مائها.
﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾، وهي ملازمة لعدم انقطاع مأكولاتها بأقسامها، وحصول قوّة للإنسان فيها للطافة مائها وهوائها ومأكولاتها، بحيث يأكل دائما ويلتذ.
﴿وَظِلُّهَا﴾، دائم والظل غير الظلمة، فإن في الظل يرى الانسان الاشياء، فدوام الظل ملازم مع دوام النهار ودوام ظلال الاشجار فهذا المتصور مثل من امثال الجنة والامر أعظم من ذلك.
جنائن تتسرب من تحتها الأنهار نعمتها ومعيشتها موفورة لا تحتاج إلى كدح أو بذل جهد، والذين آتيناهم الكتاب وهم المؤمنون بك يا محمد يفرحون بكل ما انزل إليك لما يجدون فيه من شفاء صدروهم وعافية حياة، ومن الأحزاب يهود ونصارى ومجوس من ينكر بعض هذا الكتاب وهو ما لا يلتئم مع ذوقه وما هو عليه ويستقبل الآخر لأنه لا يزاحم مصلحته الشخصية، وكل انسان مادي كذلك.
قل للجميع يا محمد إنما أمرت من ناحية البراهين القائمة لي أن أعبد الله وحده ولا أشرك به أي كائن كان، ودعوتي هذه دائما اليه ومآبي ومآب الجميع عليه وكما أنزلنا على كل رسول ما يقوم ببلغته الزمنية وبلسان جيله المبعوث اليه أنزلنا إليك كتابا جامعا للحقائق قائما بالواقع عربيا في لغته؛ لأنك تتبطن في حين بعثتك امة عربية ومحيطا عربيا ثم ألزمه بلزوم خطة الحق وأن لا تجرفه ميول الدنيا الى متابعة أهلها ومسايرة خطى جهلها وأنه إن فعل شيئا من هذه الانحرافات لم يعد يمنعه من الله مانع أو يقف امام مؤاخذة الباري له.
﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا﴾، عاقبة اهل التقوى أي ما تكون مرتبة نزوله.
﴿وَّعُقْبَى﴾، وعاقبة ﴿الْكَافِرِينَ﴾، هنا كما يعني كفر العقيدة والعمل، كذلك يعني الكفر في كل مهما آمن بالآخر، ولا سيما كفر العقيدة حيث لا يصلح عمل في كفرها، مهما نجى تارك الصالحات بعقيدة الإيمان بعد عقبى النار في برزخه وعقباه.
﴿النَّارُ﴾، أي الدار التي تلي هذه الدار تكون لأهل التقوى الاول، وللكفار الثاني.
وورد في وصف النار ما عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اَللهِ (صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ لَجُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَلَقَدْ أُطْفِئَتْ سَبْعِينَ مَرَّةً بِالْمَاءِ ثُمَّ اِلْتَهَبَتْ وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَمَا اِسْتَطَاعَ آدَمِيٌّ أَنْ يُطِيقَهَا [يُطْفِئَهَا] إِذَا اِلْتَهَبَتْ وَإِنَّهُ لَيُؤْتَى بِهَا يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ حَتَّى تُوضَعَ عَلَى اَلنَّارِ فَتَصْرَخُ صَرْخَةً [مَا] لاَ يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلاَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلاَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ [لِرُكْبَتَيْهِ] فَزَعاً مِنْ صَرْخَتِهَا))[2].
وقال السيد الطباطبائي [رحمه الله] في تفسيره: [ومن لطيف الإشارة في الكلام المقابلة بين المؤمنين والمشركين أولا بتعبير «المتقون والذين كفروا» وأخيرا بقوله «الذين اتقوا والكافرون» ولعل فيه تلويحا إلى أن الفعل الماضي والصفة هاهنا واحد مدلولا ومجموع أعمالهم في الدنيا مأخوذ عملا واحدا، ولازم ذلك أن يكون تحقق العمل وصدور الفعل مرة واحدة عين اتصافهم به مستمرا، ويفيد حينئذ قولنا: «الكافرون والمتقون» الدالان على ثبوت الاتصاف وقولنا: «الذين كفروا والذين اتقوا» الدالان على تحقق ما للفعل مفادا واحدا، وهو قصر الموصوف على صفته، وأما من تبدل عليه العمل كأن تحقق منه كفر أو تقوى ثم تبدل بغيره ولم يختتم له العمل بعد فهو خارج عن مساق الكلام فافهم ذلك][3].
[1] سورة الرعد، الآية: 35.
[2] الزهد، ج 1، ص 101.
[3] الميزان في تفسير القرآن، ج 11، ص 366.
