بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[1].
آية تنفرد لا نظير لها في القرآن الكريم تكاد تكون وحيدة لولا آية أم الكتاب: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾[2]، ولأن المحو ليس إلا إذهاب الكائن برسمه أو أثره، والإثبات هو استمراره، فمقسم المحو والإثبات هو الثابت قبلهما بثبات يقبل المحو والإثبات.
ولأن الثبات الأول هو قبل المحو والإثبات، فليكن هو الأم الثابت في علم الله، وفيه كل كائن أيا كان وأيان إلى يوم القيامة، ثم الكتاب هو تحقيق العلم وتطبيقه، محوا لبعض بعد ردحه إلى اجله كما يشاء، وإثباتا لآخر كما يشاء، «وهل يمحى إلا ما كان وهل يثبت إلا ما لم يكن»؟
ف «لكل أمر يريده الله فهو في علمه قبل أن يصنعه وليس شيء يبدو له إلا وقد كان في علمه إن الله لا يبدو له من جهل» و «ما بدا لله في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له» فلا يعني البداء علما بعد جهل، بل فعلا كان يعلمه قبل ويجهله خلقه فبدا لهم غير ما كانوا يظنون.
فلا محو في علمه بعد كونه، ولا إثبات فيه بعد أن لم يكن، وإنما محو وإثبات في تكوين أو تشريع لما كان في سابق علمه، فصبغه بسابغ مشيئته وإرادته وقدره وقضائه وإمضائه.
ولأن قوله قبل ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾[3]، قد يخيّل إلى جاهله أنه يبدو له تعالى فيما يؤجّل من أجل ويكتب من كتاب، فآية المحو والإثبات تقرر كضابطة سارية أن المعلوم من تكوين وتشريع في الخلق عند الله، إنه لا تتغير عما كان، فإنما يمحو مما كان، ويثبت مما كان أجلا وكتابا أم أيا كان، في مرحلة الخلق والإبرام.
فقد يمحو عن الخاطرة خطرة كانت منذ زمن بعيد أو قريب، أم يثبتها فلا ينساها صاحبها كما القرآن: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى﴾[4].
أو يمحو رسالة بوحيها عن وجوب الاتباع كسائر الرسالات، إلاّ الأخيرة الإسلامية حيث يثبتها حتى القيامة الكبرى.
أو يمحو آية رسالية تثبت وحيها، يمحوها عن صورتها إلى صورة أخرى علها أحرى منها أو مثلها في رسالة أخرى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾[5]، والسيرة هي السيرة تدليلا على صدق الوحي.
أو يمحو آيات بصرية عابرة عبر رسالاتها ويثبت آية يخلّدها عبر الأعصار والأمصار إلى يوم لقاء الله كما القرآن، فإنه وحي ثابت وآية ثابتة تجاوبا صادقا مع شرعته الثابتة إلى يوم القيامة.
أو يمحو أجلا في أمّ الكتاب إلى أقل منه.
أو يثبته إلى أجله المحتوم.
أو يمحو آجالا معلّقة أو يثبتها، في أعمار وأرزاق.
أو يمحو سيئات بمكفراتها، أم يثبتها ركاما على بعض إذ لا مكفر لها، وكل ذلك حسب الحكمة الربانية، وفقا للأقدار المخيرة في التكاليف، والمسيّرة في غيرها.
وإذا تسأل العالم كيف علم الله؟ فالجواب الرائع الجامع: «علم وشاء وأراد وقدر وقضى وأمضى، فأمضى ما قضى، وقضى ما قدر، وقدر ما أراد، فبعلمه كانت المشيئة، وبمشيئته كانت الإرادة، وبإرادته كان التقدير، وبتقديره كان القضاء، وبقضائه كان الإمضاء.
والعلم متقدم المشيئة، والمشيئة ثانية، والارادة ثالثة، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء، فله تبارك وتعالى البداء فيما علم متى شاء، وفيما أراد لتقدير الأشياء، فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء، فالعلم في المعلوم قبل كونه، والمشيئة في المنشأ قبل عينه، والإرادة في المراد قبل قيامه، والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عيانا ووقتا، والقضاء بالإمضاء هو المبرم من المعقولات ذوات الأجسام، المدركات بالحواس من ذي لون وريح ووزن وكيل وما دب ودرج من إنس وجن وطير وسباع وغير ذلك مما يدرك بالحواس، فلله تبارك وتعالى فيه البداء مما لا عين له، فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء والله يفعل ما يشاء».
[1] سورة الرعد، الآية: 39.
[2] سورة الزخرف، الآية: 4.
[3] سورة الرعد، الآية: 38.
[4] سورة الأعلى، الآية: 6.
[5] سورة البقرة، الآية: 106.
