بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على محمد واله الطيبين الطاهرين
واللعنة الدائمة على اعدائهم الى قيام يوم الدين
تتمّة البحث: تحقيق دلالة رواية علي بن يقطين على التوكيل في إخراج الزكاة
أولاً: تحديد محلّ النزاع بدقّة
قد تبيّن ممّا سبق أنّ محلّ الكلام ليس هو جواز التوكيل في الإيصال، فإنّ هذا:
والصلاة والسلام على محمد واله الطيبين الطاهرين
واللعنة الدائمة على اعدائهم الى قيام يوم الدين
تتمّة البحث: تحقيق دلالة رواية علي بن يقطين على التوكيل في إخراج الزكاة
أولاً: تحديد محلّ النزاع بدقّة
قد تبيّن ممّا سبق أنّ محلّ الكلام ليس هو جواز التوكيل في الإيصال، فإنّ هذا:
- ثابت سيرةً،
- ومؤيَّد نصّاً،
- ولا خلاف معتدّ به فيه.
وإنّما محلّ النزاع الحقيقي هو:
هل يجوز التوكيل في مرحلة الإخراج والتعيين، أي جعل المال زكاةً وعزله بعنوان الوفاء عمّا في الذمّة؟
وهذا هو الذي ركّز عليه السيد الخوئي (قدس سره)، وناقش إمكان الاستدلال عليه بالروايات، ومنها رواية علي بن يقطين.
ثانياً: بيان موقف السيد الخوئي من الرواية
ذهب السيد الخوئي (رضوان الله تعالى عليه) إلى أنّ:
هل يجوز التوكيل في مرحلة الإخراج والتعيين، أي جعل المال زكاةً وعزله بعنوان الوفاء عمّا في الذمّة؟
وهذا هو الذي ركّز عليه السيد الخوئي (قدس سره)، وناقش إمكان الاستدلال عليه بالروايات، ومنها رواية علي بن يقطين.
ثانياً: بيان موقف السيد الخوئي من الرواية
ذهب السيد الخوئي (رضوان الله تعالى عليه) إلى أنّ:
- الرواية معتبرة سنداً،
- لكنها أجنبية عن محلّ الكلام دلالةً.
ووجّه ذلك بأنّ الرواية:
- ناظرة إلى مرحلة الإيصال فقط،
- أو ناظرة إلى وظيفة الجابي والعامل،
- ولا تعرّض فيها لجواز التوكيل في مرحلة الإخراج والتعيين.
وعليه، فلا تصلح ـ بحسب نظره ـ للاستدلال على المدّعى.
ثالثاً: مناقشة هذا المبنى: تحليل دقيق لمتن الرواية
الرواية هي:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عمّن يلي صدقة العشر من لا بأس به، فقال: إن كان ثقة فمُره أن يضعها في مواضعها، وإن لم يكن ثقة فخذها أنت وضعها في مواضعها».
1. تحليل عنوان «مَن يلي صدقة العشر»
التعبير بـ «من يلي» تعبير واسع، لا يختصّ بمرحلة الإيصال، بل يصدق عرفاً على من:
- يتولّى أمر الزكاة من أصلها،
- يشخّص المقدار،
- يعيّن المال،
- ثمّ يوصله إلى مستحقّيه.
ولو كان المراد خصوص العامل أو الجابي الرسمي، لكان الأنسب استعمال:
- «العشّار»،
- أو «العامل»،
- أو «المصدِّق» (على بعض التعبيرات الروائية).
لكنّ العدول إلى عنوان «من يلي» شاهد على أنّ المراد:
الشخص الذي يتكفّل شؤون الزكاة بنحو عام.
2. مناسبة الحكم والموضوع
بملاحظة شخصية السائل، وهو علي بن يقطين:
الشخص الذي يتكفّل شؤون الزكاة بنحو عام.
2. مناسبة الحكم والموضوع
بملاحظة شخصية السائل، وهو علي بن يقطين:
- وزير مقتدر،
- صاحب ضياع وأراضٍ وأنعام،
- يعيش في ظلّ سلطة عباسية قاهرة،
- ويعمل بالتقيّة الشديدة.
فمن غير المعقول عرفاً:
- أن يتولّى بنفسه إحصاء الأنعام،
- أو عدّ النخيل،
- أو تشخيص النصاب في آلاف الشياه أو الإبل،
- أو حضور جميع أملاكه المتفرّقة في الأمصار.
وعليه، فإنّ السؤال بطبيعته يفترض وجود وكيل:
- يتولّى الإخراج،
- ويتولّى الإيصال.
وهذا الفرض مفروغ عنه عرفاً، بحيث لم يحتج الإمام (عليه السلام) إلى التصريح به.
3. دلالة قوله: «فمره أن يضعها في مواضعها»
لا إشكال في أنّ هذا التعبير:
3. دلالة قوله: «فمره أن يضعها في مواضعها»
لا إشكال في أنّ هذا التعبير:
- ظاهر في الإيصال إلى المستحقين،
- ولا يحتمل عرفاً معنى آخر.
لكن:
- دلالة الرواية على الإيصال لا تنفي دلالتها الالتزامية على ثبوت التوكيل في الإخراج،
- لأنّ الإيصال فرع الإخراج،
- ولا يعقل عرفاً فرض الإيصال من شخص لا ولاية له على أصل التعيين.
فكون الإمام (عليه السلام) أمضى إيصال الوكيل:
كاشف عرفاً عن إمضاء أصل ولايته على المال بعنوان الزكاة.
رابعاً: الردّ على دعوى اختصاص الرواية بالجابي الرسمي
دعوى أنّ الرواية واردة في خصوص العامل المعيَّن من قبل السلطان غير تامّة، وذلك لأنّ:
- الإمام (عليه السلام) لم يذكر عنوان العامل أو الجابي.
- علي بن يقطين لم يكن بصدد سؤال عام تشريعي، بل سؤال عملي شخصي.
- لو كان المقصود زكاة الدولة:
- لزم محذور أمني خطير،
- إذ لا يعقل أن يؤمر وزير في بلاط هارون بتوجيه الزكوات نحو جهة مخصوصة.
- السياق كلّه يشير إلى زكاة أموال علي بن يقطين الخاصة.
فالرواية ناظرة إلى:
زكاة المالك، لا زكاة السلطان.
خامساً: استفادة التوكيل في الإخراج من الرواية
من مجموع ما تقدّم، يمكن تقرير الاستدلال على النحو الآتي:
- السؤال مفترض فيه وجود شخص يتولّى أمر الزكاة.
- هذا التولّي يشمل عرفاً:
- الإخراج،
- والتعيين،
- ثم الإيصال.
- الإمام (عليه السلام) أمضى هذا التولّي بشرط الوثاقة.
- هذا الإمضاء كاشف عن:
- جواز التوكيل في الإخراج،
- لا سيّما مع انضمام السيرة العقلائية المستمرّة،
- وعدم الردع الشرعي.
وعليه، فالرواية:
- وإن كانت أوضح في الإيصال،
- لكنها غير قاصرة عن الشمول لمرحلة الإخراج، بمناسبة الحكم والموضوع.
سادساً: النتيجة النهائية في البحث
- جواز التوكيل في الإخراج ثابت:
- بمقتضى القواعد،
- وبالسيرة العقلائية،
- ومؤيَّد بهذه الرواية.
- الرواية ليست أجنبية عن محلّ الكلام كما ذهب إليه السيد الخوئي، بل:
- تصلح للتأييد،
- وربما للاستدلال.
- الإشكال في دلالة الرواية قابل للدفع بتحليل السياق، وشخصية السائل، ومناسبة الحكم والموضوع.
الخلاصة
الإنصاف:
- أنّ البحث الأوّل (التوكيل في الإخراج) ينبغي أن يُعدّ مسلّماً،
- ولا يقتضي مزيد تشقيق،
- خصوصاً مع وضوح السيرة، وكثرة الشواهد التاريخية، وملاءمة النصّ.
وأمّا البحث الثاني (الإيصال)، فهو أوضح وأظهر، ولا خلاف فيه.
والحمد لله ربّ العالمين،
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
