بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[1].
محاججة باطلة لأهل الفشل وقعت بين الشيطان وأتباعه من الإنس فقال: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ﴾، أي لمّا استقرّ أهل الجنّة في الجنّة وأهل النار في النار أخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه؛ فيقوم في النار خطيبا لهم على منبر من نار، وَوَرَرَدَ عَنْ رَسُولِ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: ((أَنَّهُ إِذَا جَمَعَ اَللهُ اَلْخَلْقَ وَقَضَى اَلْأَمْرَ بَيْنَهُمْ يَقُولُ اَلْكَافِرُ قَدْ وَجَدَ اَلْمُسْلِمُونَ مَنْ شَفَعَ لَهُمْ فَمَنْ يَشْفَعُ لَنَا مَا هُوَ إِلاَّ إِبْلِيسُ هُوَ اَلَّذِي أَضَلَّنَا فَيَأْتُونَهُ وَيَسْأَلُونَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ هَذَا اَلْقَوْلَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾))[2].
وقوله: ﴿وَعْدَ الْحَقِّ﴾، يكون التقدير وعد اليوم الحقّ فوعدكم وصدقكم ووعدتكم فأخلفتكم وعدتكم أن لا جنّة ولا نار ولا حشر ولا حساب ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم﴾، من قدرة وقهر فأقهركم على الكفر والمعاصي والجئكم إليها ﴿إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ﴾، بوسوستي وتزييني.
﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم﴾، ما أنا بمغيثكم ولا أنتم بمغيثي ومعيني، فهي دلالة على أنّ الكفر والمعصية لو كان بتخليق الله لوجب أن يقول إبليس: لا تلوموني ولا أنفسكم وإنّما الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه.
وكذلك تدلّ على أنّ الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان وعلى تعويج أعضائه وعلى إزالة العقل عنه كما يقوله العوامّ.
قوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾، الآن كفرت بما كان من إشراككم إيّاي مع الله في الطاعة، يعني جحدت أن أكون شريكا لله فيما أشركتموني فيه من قبل هذا اليوم ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وبقي هاهنا سؤال: كيف يتعقّل ويتمكّن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه؟ فيه قولان: الاول أنّ ما سوى الله بحسب القسمة العقليّة على أقسام ثلاثة: المتحيّز والحالّ في المتحيّز والّذي لا يكون متحيّزا ولا حالاّ فيه.
وهذا القسم الثالث هو المسمّى بالأرواح، فهذه الأرواح إن كانت طاهرة مقدّسة في عالم الروحانيّات فهم الملائكة، وإن كانت خبيثة شريرة داعية إلى الشرور وعالم الأجساد ومنازل الظلمات فهم الشياطين، فعلى هذا التقدير الشيطان لا يكون جسما يحتاج إلى الولوج في داخل البدن، بل هو جوهر روحانيّ خبيث الفعل؛ فعلى هذا التقدير لا يبعد في أن يلقي شيء من تلك الأرواح أنواعا من الوساوس والأباطيل إلى جوهر النفس الناطقة بالمشاكلة وتلك الوسوسة تؤثّر في النفس الناطقة فيحصل الإضلال من غير ولوج؛ فهذه المشاكلة تختلف فإن كانت مشاكلة الخير والبركة كان ذلك من الملك إلهاما، وإن كانت المشاكلة من أبواب الشرّ كان وسوسة من الشيطان، وهذا التقرير على القول بإثبات جواهر مبرّأة عن الجسميّة والتحيّز، والقول بالأرواح الخبيثة والطاهرة كلام مشهور عند قدماء الفلاسفة فليس لأحد أن ينكر وجود الشيطان والجنّ والملائكة على أن نطقت به الشرائع والشريعة الأحمديّة فمن أنكر فقد أنكر القرآن.
والقول الثاني وهو أنّ الملائكة والشياطين لا بدّ وأن تكون أجساما لكن أجساما لطيفة والله سبحانه ركّبها تركيبا عجيبا وهي أن تكون مع لطافتها لا تقبل التفرّق والتمزّق والفساد والبطلان، ونفوذ الأجرام اللطيفة في عمق الأجرام الكثيفة غير مستبعد كما في الروح، فإنّه نفذ في داخل عمق البدن؛ فإذا عقل ذلك فكيف يستبعد نفوذ أنواع كثيرة من الأجسام اللطيفة في داخل هذا البدن؟ كالشيطان مثلا وكماء الورد في الورد ودهن السمسم في السمسم فكذلك القول في الشيطان والجنّ، فلمّا ثبت القول في إمكان وجودهما فحينئذ الأولى أنّ الملائكة يكونون من النور مخلوقين، والشياطين مخلوقين من اللهب والدخان كما قال الله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾[3].
[1] سورة ابراهيم، الآية: 22.
[2] بحار الأنوار، ج 60، ص 161.
[3] سورة الحجر، الآية: 27.
