بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد
عندما يأمر الله عز وجل نبيّه بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فإن هذا الأمر لا يختزل في مجرد نطق لفظي، بل يحمل رسالة معرفية عميقة؛ فالتوحيد ليس فكرة تُحفظ، بل حقيقة تُعلَن وتُبلَّغ وتُعاش. كلمة (قُل) تعني أن التوحيد مشروع وعي ورسالة هداية، وكلمة (هو) تشير إلى حقيقة حاضرة قائمة بذاتها، لا تحتاج إلى تعريف، ولا تُدرك بالحدود، بل تُعرف بالوجدان. أما (الله أحد) فهي إعلان لتحرير الإنسان من كل تعدد في التعلّق، ومن كل شريك في القلب، فلا يبقى فيه إلا الواحد الأحد.
المعرفة بالله تبدأ غالبًا معرفةً نظرية؛ يسمع الإنسان عن الله، يقرأ عنه، يتعلّم صفاته، ويفهم دلائل وجوده بعقله. هذه المعرفة مهمة وضرورية، لكنها تبقى في حدود الذهن ما لم تتحول إلى معرفة حيّة في القلب. فكم من إنسان يعرف الله علمًا، لكنه لا يحسّ بحضوره، ولا ينعكس هذا العلم على سلوكه وخياراته. المعرفة الحقيقية هي التي تنتقل من الفكر إلى الوجدان، ومن الذهن إلى القلب.
ومن هنا يأتي دور التفكّر؛ فالتفكّر بالله لا يعني التفكير في ذات الله، لأن الذات الإلهية لا تُدرك ولا تُحاط، وإنما التفكّر يكون في آياته، وفي أفعاله، وفي آثاره في الكون وفي النفس. التفكّر هو الجسر الذي يصل العقل بالقلب، وهو الطريق الذي يحوّل الإيمان من فكرة موروثة إلى يقين مشهود.
وحين يسلك الإنسان طريق التفكّر الصادق، فإنه لا يصل إلى الإحاطة بالله، لأن المربوب لا يمكن أن يحيط بالرب، وقد قال تعالى: ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾، لكنه يصل إلى القرب، إلى الخشوع، إلى الطمأنينة، إلى شعور داخلي عميق بحضور الله في حياته. كلما ازداد الإنسان تفكّرًا، ازداد تواضعًا، لأن المعرفة الحقيقية لا تورث الغرور، بل تكشف للإنسان فقره وحاجته.
وأعلى مراتب المعرفة ليست أن تعرف الله تعريفًا فلسفيًا، بل أن تحضره في وجدانك؛ أن تشعر به في خوفك ورجائك، في وحدتك، وفي قراراتك. هذا الحضور الوجداني هو الإيمان الحي، وهو الذي يجعل الإنسان يراقب الله دون تكلف، ويعبده دون رياء.
وقد جعل الإسلام التفكّر عبادة، بل عبادة عظيمة الأثر، لأن التفكّر يوقظ القلب من الغفلة، ويمنح العبادة روحها. ولهذا ورد أن تفكّر ساعة خير من عبادة سنة، لأن العبادة بلا وعي قد تتحول إلى عادة، أما التفكّر فيبعث الحياة في كل عبادة.
ويميز القرآن بين العقل واللُّب؛ فالعقل هو أداة الفهم والتحليل، أما اللُّب فهو العقل الصافي من الأهواء، المتحرر من التعصب، المتصل بالقلب. لذلك لم يمدح القرآن كل العقول، بل مدح أولي الألباب، أي أصحاب العقول النقية التي ترى الحق دون حجب.
وتقوم المعرفة الإلهية على ركنين أساسيين: التفكّر العقلي، والتزكية القلبية. فالعقل وحده قد يقود إلى الجفاف، والقلب بلا وعي قد ينزلق إلى الوهم. أما إذا اجتمع التفكّر مع التزكية، نزلت الألطاف الربانية على القلب، وانفتح باب الفهم الحقيقي.
ولهذا نرى أن الألطاف الإلهية لا تنزل على القلوب المتكبرة، ولا على العقول المغلقة، بل على النفوس المتواضعة، والقلوب الصادقة، والعقول المتأملة، والأرواح المنكسرة بين يدي الله.
ومن هنا نفهم لماذا لا يؤمن بعض العلماء الماديين بالله، رغم اتساع علومهم؛ لأنهم حصروا المعرفة في الحس والتجربة، وعطّلوا القلب، وأنكروا البعد الغيبي، فكانت رؤيتهم ناقصة، لا شاملة. إنهم ينظرون إلى الكون، لكنهم لا يرونه رؤية معرفية.
وقد عبّر القرآن عن هذا المعنى بقوله تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾
فالآيات ليست فقط في السماء والنجوم، بل في النفس، في الوعي، في الفطرة، لكن الانتفاع بها يحتاج إلى قلب حي.
وهنا يظهر الفرق بين النظر والرؤية؛ فالنظر إدراك ظاهري، أما الرؤية فهي بصيرة وشهود. كثيرون ينظرون إلى الآيات، لكن القليل من يراها رؤية تهدي إلى الله.
والقلب الذي يرى هو ما يسميه القرآن القلب المعرفي؛ قلب يعقل، ويفقه، ويتدبّر، ويحوّل العلم إلى سلوك. أما القلب الغافل، فمهما كثرت معلوماته، يبقى بعيدًا عن الحقيقة.
وفي نهاية الطريق، تتجلّى حقيقة العبادة؛ فأفضل العبادات ليست الأكثر حركة، بل الأكثر وعيًا. العبادة القائمة على معرفة وحضور، لأن العبادة بلا معرفة جسد بلا روح، أما العبادة الواعية فهي التي تغيّر الإنسان، وتقرّبه، وتجعله يعيش معنى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ واقعًا في قلبه قبل أن تكون لفظًا على لسانه.
اللهم صلِ على محمد وآل محمد
عندما يأمر الله عز وجل نبيّه بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فإن هذا الأمر لا يختزل في مجرد نطق لفظي، بل يحمل رسالة معرفية عميقة؛ فالتوحيد ليس فكرة تُحفظ، بل حقيقة تُعلَن وتُبلَّغ وتُعاش. كلمة (قُل) تعني أن التوحيد مشروع وعي ورسالة هداية، وكلمة (هو) تشير إلى حقيقة حاضرة قائمة بذاتها، لا تحتاج إلى تعريف، ولا تُدرك بالحدود، بل تُعرف بالوجدان. أما (الله أحد) فهي إعلان لتحرير الإنسان من كل تعدد في التعلّق، ومن كل شريك في القلب، فلا يبقى فيه إلا الواحد الأحد.
المعرفة بالله تبدأ غالبًا معرفةً نظرية؛ يسمع الإنسان عن الله، يقرأ عنه، يتعلّم صفاته، ويفهم دلائل وجوده بعقله. هذه المعرفة مهمة وضرورية، لكنها تبقى في حدود الذهن ما لم تتحول إلى معرفة حيّة في القلب. فكم من إنسان يعرف الله علمًا، لكنه لا يحسّ بحضوره، ولا ينعكس هذا العلم على سلوكه وخياراته. المعرفة الحقيقية هي التي تنتقل من الفكر إلى الوجدان، ومن الذهن إلى القلب.
ومن هنا يأتي دور التفكّر؛ فالتفكّر بالله لا يعني التفكير في ذات الله، لأن الذات الإلهية لا تُدرك ولا تُحاط، وإنما التفكّر يكون في آياته، وفي أفعاله، وفي آثاره في الكون وفي النفس. التفكّر هو الجسر الذي يصل العقل بالقلب، وهو الطريق الذي يحوّل الإيمان من فكرة موروثة إلى يقين مشهود.
وحين يسلك الإنسان طريق التفكّر الصادق، فإنه لا يصل إلى الإحاطة بالله، لأن المربوب لا يمكن أن يحيط بالرب، وقد قال تعالى: ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾، لكنه يصل إلى القرب، إلى الخشوع، إلى الطمأنينة، إلى شعور داخلي عميق بحضور الله في حياته. كلما ازداد الإنسان تفكّرًا، ازداد تواضعًا، لأن المعرفة الحقيقية لا تورث الغرور، بل تكشف للإنسان فقره وحاجته.
وأعلى مراتب المعرفة ليست أن تعرف الله تعريفًا فلسفيًا، بل أن تحضره في وجدانك؛ أن تشعر به في خوفك ورجائك، في وحدتك، وفي قراراتك. هذا الحضور الوجداني هو الإيمان الحي، وهو الذي يجعل الإنسان يراقب الله دون تكلف، ويعبده دون رياء.
وقد جعل الإسلام التفكّر عبادة، بل عبادة عظيمة الأثر، لأن التفكّر يوقظ القلب من الغفلة، ويمنح العبادة روحها. ولهذا ورد أن تفكّر ساعة خير من عبادة سنة، لأن العبادة بلا وعي قد تتحول إلى عادة، أما التفكّر فيبعث الحياة في كل عبادة.
ويميز القرآن بين العقل واللُّب؛ فالعقل هو أداة الفهم والتحليل، أما اللُّب فهو العقل الصافي من الأهواء، المتحرر من التعصب، المتصل بالقلب. لذلك لم يمدح القرآن كل العقول، بل مدح أولي الألباب، أي أصحاب العقول النقية التي ترى الحق دون حجب.
وتقوم المعرفة الإلهية على ركنين أساسيين: التفكّر العقلي، والتزكية القلبية. فالعقل وحده قد يقود إلى الجفاف، والقلب بلا وعي قد ينزلق إلى الوهم. أما إذا اجتمع التفكّر مع التزكية، نزلت الألطاف الربانية على القلب، وانفتح باب الفهم الحقيقي.
ولهذا نرى أن الألطاف الإلهية لا تنزل على القلوب المتكبرة، ولا على العقول المغلقة، بل على النفوس المتواضعة، والقلوب الصادقة، والعقول المتأملة، والأرواح المنكسرة بين يدي الله.
ومن هنا نفهم لماذا لا يؤمن بعض العلماء الماديين بالله، رغم اتساع علومهم؛ لأنهم حصروا المعرفة في الحس والتجربة، وعطّلوا القلب، وأنكروا البعد الغيبي، فكانت رؤيتهم ناقصة، لا شاملة. إنهم ينظرون إلى الكون، لكنهم لا يرونه رؤية معرفية.
وقد عبّر القرآن عن هذا المعنى بقوله تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾
فالآيات ليست فقط في السماء والنجوم، بل في النفس، في الوعي، في الفطرة، لكن الانتفاع بها يحتاج إلى قلب حي.
وهنا يظهر الفرق بين النظر والرؤية؛ فالنظر إدراك ظاهري، أما الرؤية فهي بصيرة وشهود. كثيرون ينظرون إلى الآيات، لكن القليل من يراها رؤية تهدي إلى الله.
والقلب الذي يرى هو ما يسميه القرآن القلب المعرفي؛ قلب يعقل، ويفقه، ويتدبّر، ويحوّل العلم إلى سلوك. أما القلب الغافل، فمهما كثرت معلوماته، يبقى بعيدًا عن الحقيقة.
وفي نهاية الطريق، تتجلّى حقيقة العبادة؛ فأفضل العبادات ليست الأكثر حركة، بل الأكثر وعيًا. العبادة القائمة على معرفة وحضور، لأن العبادة بلا معرفة جسد بلا روح، أما العبادة الواعية فهي التي تغيّر الإنسان، وتقرّبه، وتجعله يعيش معنى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ واقعًا في قلبه قبل أن تكون لفظًا على لسانه.
