بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾[1].
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾، مكرا خبيثا وقحا شنيعا زائفا متسافلا فيه صفة الغدر واللؤم بما اسطاعوا، مكرا على اللّٰه ورسالاته ورسله وتشريعاته، لكن ﴿وَعِندَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾، فاللّٰه لا يمكر مهما مكروا، حيث المكر كله ﴿عِندَ اللهِ﴾، و ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾[2]، فحتى ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾[3]، ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّٰهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾[4].
فقد مكر عتاة الكفّار مكرا ودبّروا امرا وفعلوا كل ما استطاعوا وكل الذي فعلوه مناهضين دعوة الرسل منظور بعين الله، ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ﴾، يجوز في إن أن تكون وصيلة شرطية ولازم ذاك حينئذ فتح لام ﴿لِتَزُولَ﴾، الأولى وضم الثانية، كما يجوز أن تكون إن نافية ولازمه كسر لام التعليل وفتح لام آخر الكلمة على النصب بأن المصدرية المقدرة بعد لام التعليل، ويكون المعنى على الاحتمال الأول: أنّ مكرهم عظيم جدّا بحيث تزول الجبال منه، والمعنى على الثاني: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال على النفي بمعنى أنه لا قيمة له امام دعوة الرسل فلا تحسبنّ ايّها الإنسان أن الله يخلف رسله ما وعدهم به من إنجاح طرائقهم.
إذا فليمكروا ما تزول منه الجبال أو أكبر منه وأنكى، ف ﴿عِندَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾، ﴿فَلِلّٰهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾. أترى ﴿عِندَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾، و ﴿فَلِلّٰهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾، تعنيان فاعلية المكر كله، أنها للّٰه وعند اللّٰه؟ نقول ﴿فَلِلّٰهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾، إذ لا يستطيع الماكرون أن يمكروا إلا بإذنه تكوينا مختارا دون تشريع، ألاّ يمنعهم من مكرهم، ويأذن لمكرهم بعدما اختاروه بمقدماته الاختيارية، ثم ﴿وَعِندَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾، عندية الحيطة العلمية وفي القدرة، فلا يغلب أو يمكر بمكرهم عجزا عن مكافحة، وإنما امتحان الامتهان تخييرا دون تسيير.
ثم ﴿مَكْرُهُمْ﴾، تعم اضافة المصدر الى فاعله: ما يمكرون أو مفعوله: ما يمكر اللّٰه بهم جزاء مكرهم: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ ۖ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾[5]، فمكرهم فاعليا ومفعوليا هو عند اللّٰه في حيطة علمية وفي القدرة والحكمة غير المحدودة المحلقة على كل شيء بكل شيء، واللام في ﴿لِتَزُولَ﴾، للغاية وهي المعنية هنا من مكرهم كأكثر ما قد يتصور من فاعلية المكر، ولا سيما في مكر الإشراك باللّٰه مصورين له كأنه الحق من ربهم ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا* أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا﴾[6]، هنا فاعلية إلهية من عظم هذه الدعوة الفاتكة، وهناك لمكرهم فاعلية إلهية وسواها وكلها عند اللّٰه وبإذنه.
وترى من هم أولاء الذين ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ... وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ..﴾؟ إنهم كل حمقى الطغيان طول التاريخ الرسالي، من كل هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم واخلافهم الذين سكنوا في مساكنهم، قبل الرسول وزمنه ثم من بعده الى يوم الدين، فالمكر هو المكر واللّٰه هو اللّٰه ﴿وَعِندَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾، فمهما كان المكر له فاعليته الخارقة للعادة، المزمجرة المدمرة، فهو ﴿عِندَ اللهِ﴾، دون أن يغلب عليه فيمكره، حيث الممكور إنما يمكر لضعف في العلم والقدرة والخبرة، واللّٰه خبير بما يصنعون، وقدير على ما يفعلون، وما اللّٰه بغافل عما يعملون.
وقد تشير ﴿لِتَزُولَ﴾، الى محاولات ماكرة تؤثر هكذا تأثيرات هائلة كما السحر وأضرابه، ولكنها ليست إلاّ بعلم اللّٰه ونفاذ قدرته ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾[7].
ولأن الجبال هي أصلب شيء وأثقله وأبعد شيء عن تصور الحراك والزوال في متناول العرف العام، لذلك يمثل هنا بالجبال، مثالا لأقوى قوة قد تزول بمكرهم.
﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾، فليس لتزول منه شيء من ساحة الرب المتعال، لا يتفلت منه عن علمه شيء، ولا يتلفت إليه منه شيء، فهم لا يضرون اللّٰه شيئا.
[1] سورة ابراهيم، الآية: 46.
[2] سورة الأنعام، الآية: 123.
[3] سورة فاطر، الآية: 43.
[4] سورة الرعد، الآية: 42.
[5] سورة آل عمران، الآية: 54.
[6] سورة مريم، الآيتان: 90 – 91.
[7] سورة البقرة، الآية: 102.
