بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوالِلّٰهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾[1].
عند قيام الساعة يحدث تبدلان للأرض، تبدل تدمير وتبدل تعمير، ففي قيامة الإماتة: التدمير، وفي الإحياء: التعمير، ففيه ﴿تُبَدَّلُ الْأَرْضُ﴾، الخربة بقيامتها الاولى ﴿غَيْرَ الْأَرْضِ﴾، تغييرا في حياتها الدنيا، وآخر عن قيامتها الاولى، فلا هي عامرة عمارة الدنيا ولا هي خربة خربتها في تدمّرها، بل هي كما قال اللّٰه تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾[2]، وكما عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ قَالَ: ((﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾، يَعْنِي بِأَرْضٍ لَمْ تُكْتَسَبْ عَلَيْهَا اَلذُّنُوبُ بَارِزَةً، لَيْسَتْ عَلَيْهَا جِبَالٌ وَلاَ نَبَاتٌ كَمَا دَحَاهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ))[3].
وبصيغة اخرى ليس تبدّل الأرض على أية حال انعداما لها عن أسرها بصورتها، حيث التبديل تحوير لشيء من حالة الى اخرى، وللإعدام صيغة تخصه ك «يوم تعدم الأرض» وأضرابها. فهذه الأرض، المبدلة بقيامتها الاولى: التدمير، الى حالة خربة، تبدل غيرها في الحالتين بصورتها وأجواءها في الحياة الاخرى، فلا هي عامرة كما الاولى، ولا خربة كما الثانية، بل هي عامرة أعمر من الاولى وكما تناسب الحياة الأخرى.
وهكذا يكون تبدّل السماوات، فإنها بعد انفطارها وكشطها ومشطها عن كواكبها في قيامتها الاولى، تبدّل إلى غيرها، عن حياتها الدنيا وعن موتها، فلا هي كالأولى ولا كالثانية، بل هي غيرها في حالتيها كما الأرض، وقد تعني ﴿تُبَدَّلُ﴾، كلا التبدلين، في قيامة التدمير والتعمير، تبدل عن حالتها الدنيوية تدميرا وتعميرا، فكما أن حالة تدميرها غير الاولى، كذلك حالة تعميرها غير الثانية والاولى، حالة ثالثة تناسب الحياة الاخرى، فالأرض الساهرة هناك هي بساط عرصات الحساب، والسماوات علّها بساطات الجزاء ثوابا وعقابا، حيث الجنة هي فوق السماء السابعة: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى* عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى* عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾[4]، فالنار إذا تحتها، إن في السماوات أم في الأرض والأرضين الاخرى.
أجل فليست لتبطل الأرض والسماوات عن بكرتها، انمحاء على أصل الكينونة، أم تداوما في خرابهما بقيامة الإماتة، فكما إنسان الأرض يحيى وأناسي السماوات في قيامة الإحياء، كذلك الأرض والسماوات، ليعيش الأحياء في الأحياء.
فصحيح أن هذه الشمس تكور بقيامتها الاولى، ولكنها قد ترجع في الثانية وكما تدل عليه آيات الظلال في الجنة ك ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾[5]، وهل يخلق اللّٰه للسماوات والأرضين الجديدة بعد القيامة خلقا آخر يكلفهم كما كلفنا؟ لا ندري نعم أم لا، والقرآن ساكت عن هذا أو ذاك فلنسكت عما سكت اللّٰه عنه! وإذا كانت الجنة ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾[6]، أم ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾[7]، فما هو طولها؟ ثم واين النار؟ العرض هنا هو السعة دون المقابل للطول؟ حيث ﴿السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ليس لها العرض فقط مقابل الطول، بل هما العمق بالطول والعرض، حجما يتبنى مثلثه الهندسي! ف ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، تفسر ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، ثم لا معنى لعرض العرض مقابل الطول لما نجهل طوله وعرضه! ثم الجنة المأوى هي عند السدرة المنتهى فوق السماء السابعة وليست لا في السماوات ولا في الأرض: ﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى﴾. فالنار إذا تحتها، إن في السماوات أو الأرضين أم فيهما، ولكنها بحيث يمكن الترائي بين أهل الجنة والنار كما في آياتها.
وعلّ «الأرض» هذه تعني الأرضين السبع كما السماوات، أم هي مطوية في السماوات دلاليا كما هي كونيا، حيث الأرض والسماوات تعنيان الكون كله دون إبقاء.
إذا ففي ذلك اليوم تبدّل الكائنات بأسرها غيرها، ترى أرضا عامرة غير هذه، وسماوات مبنية غير هذه، صورة لماعة لم تخلد بخلد قط إلا من شاء اللّٰه، وكل أتوه داخرين. وترى كيف ﴿وبَرَزُوا لِلّٰهِ اَلْواحِدِ اَلْقَهّٰارِ﴾، إنه بروزهم فيما يعرفون ويعترفون يوم الدين، بعد نكرانهم يوم الدنيا.
[1] سورة ابراهيم، الآية: 48.
[2] سورة الكهف، الآية: 47.
[3] تفسير العياشي، ج 2، ص 236.
[4] سورة النجم، الآيات: 13 – 15.
[5] سورة الإنسان، الآية: 13.
[6] سورة الحديد، الآية: 21.
[7] سورة آل عمران، الآية: 133.
