بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾[1].
﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾، أي خلقنا وأوجدنا فيها بروجا: منازل للشمس والقمر، وهي اثنا عشر برجا أو منزلة، على هيئات وصفات مختلفة كما يدل عليه الرّصد، وكما أشير إليها في بعض الآيات والروايات من تشكيل الفصول الأربعة حيث ينتقل كلّ من الشمس والقمر أثناءها من منزلة إلى منزلة.
وقال الفيض الكاشاني (ره): [معنى البروج: القصور العالية، وقد سمّيت الكواكب بها لأنها للسيارات كالمنازل لسكّانها، أمّا اشتقاقه فمن التبرّج لظهوره][2].
وسير الشمس أن يكون في كل برج من البروج الاثني عشر ثلاثين يوما تقريبا، وبهذا الاعتبار تنقسم المسافة بين البرج والبرج الذي يليه إلى ثلاثين برجا أو منزلة فيصير للشمس ثلاثمائة وستون برجا في السنة بحسب سيرها، وهي بين برج وبرج منها تدل باختلاف طبيعتها وخواصّها مع تساويها في الحقيقة، تدل على وجود صانع حكيم قد أتقنها ثم قال:
﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾، أي جعلنا السماء مزيّنة مزخرفة بالكواكب التي تبدو للناظر إليها فيعتبر من له أهلية الاعتبار والتفكّر، ويستدل بها على وجود المبدع القدير الجدير بالعبادة لتفرّده بالوحدانية ولقدرته على جعلها كواكب مختلفة بديعة، فسبحان الخالق العظيم.
وقال تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾، وحفظنا السماء ﴿مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾[3]، من إنس وجان أن يصّعّدوا إليها، حيث يرجمون عنها ويرمون بالشهب، أو ملعونون مشؤومون، فلا يقدروا أن يصعدوا إليها، ويعملوا الوسوسة في أهلها، ويتصرّفون في أمرها، ويطّلعون على أحوالها.
أما الجن المؤمنون هم غير محفوظ عنهم ذلك التسمع، ولا الانس المؤمنون أن يصّعدوا الى الملإ الأعلى، ولكنهم ايضا منعوا عن ذلك التسمع منذ الوحي المحمدي ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾[4]، فإن محادثات الملإ الأعلى وحي أو إلهام لا يصلحان غير المؤمنين، ولا المؤمنين الرسل حيث ختم الوحي فضلا عن غير المرسل!
وحفظ الشيء جعله على ما ينفي عنه الضياع فمن ذلك حفظ القرآن بدرسه حتّى لا ينسى. وحفظ المال إحرازه حتّى لا يضيع.
وحفظ السماء من الشيطان بالمنع حتّى لا يدخلها، ولا يبلغ إلى موضع يتمكّن فيه من استراق السمع، لما أعدّ له من الشهاب، كما قال جلّ وعزّ: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾[5]، بدل ﴿مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾، واستراق السمع اختلاسه سرّا، شبّه به خطفتهم اليسيرة من اقطّار السماوات، لما بينهم من المناسبة في الجوهر، أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها ليخبروا بها الكهنة.
وعَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللهِ اَلصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: ((كَانَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اَللهُ يَخْتَرِقُ اَلسَّمَاوَاتِ اَلسَّبْعَ فَلَمَّا وُلِدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ حُجِبَ عَنْ ثَلاَثِ سَمَاوَاتٍ وَكَانَ يَخْتَرِقُ أَرْبَعَ سَمَاوَاتٍ فَلَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ حُجِبَ عَنِ اَلسَّبْعِ كُلِّهَا وَرُمِيَتِ اَلشَّيَاطِينُ بِالنُّجُومِ وَقَالَتْ قُرَيْشٌ هَذَا قِيَامُ اَلسَّاعَةِ كُنَّا نَسْمَعُ أَهْلَ اَلْكُتُبِ يَذْكُرُونَهُ))[6].
وقيل: الاستثناء منقطع، أي: ولكن من استرق السمع ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ فتبعه ولحقه ﴿شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾، ظاهر للمبصرين والشهاب شعلة نار ساطعة، وقد يطلق للكواكب والسنان، لما فيهما من البريق.
يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (حفظه الله) في تفسيره: [والخلاصة: يظهر لنا من خلال ما ذكر من قرائن وشواهد كثيرة أن المقصود من السماء هو.. سماء الحق والحقيقة، وأنّ الشياطين ذوي الوساوس يحاولون أن يجدوا لهم سبيلا لاختراق السماء واستراق السمع، ليتمكنوا من إغواء الناس بذلك، ولكنّ النجوم والشهب (وهم القادة الربانيون من الأنبياء والأئمّة والعلماء) يبعدونهم ويطردونهم بالعلم والتقوى. ولكن.. بما أن القرآن الكريم بحر غير متناه، فلا ينبغي البناء القطعي على هذا التأويل، وربّما المستقبل سيحفل بتفسير آخر لهذه الآيات مستندا على حقائق لم نصل لها في زماننا][7].
[1] سورة الحجر، الآية: 16.
[2] التفسير الصافي، ج
[3] سورة الحجر، الآية: 17.
[4] سورة الجن، الآية: 9.
[5] سورة الحجر، الآية: 18.
[6] الأمالي للصدوق، ج 1، ص 285.
[7] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج 8، ص47.
