جاء شاب إلى أحد المشايخ يشتكي سوء طباع زوجته واستحالة العيش معها، ثم قال بنبرةٍ يملؤها اليأس:
"يا شيخنا، لعلّهُ سوء حظي، أو هكذا شاءت (القسمة والنصيب) أن أقع في هذا البلاء، فالله كتب عليَّ الشقاء!".
نظر إليه الشيخ بابتسامةٍ هادئة وسأله: "حين أقدمتَ على الزواج، هل سألتَ عن دينها؟ عن منبتها؟ عن أخلاق أهلها؟".
أطرق الشاب رأسه وقال: "لا والله، لقد أعجبني حسنُ ظاهرها فتعجلت".
فقال الشيخ: "إذن لا تلم (القسمة)، بل لُم (الاختيار)..
فالله أعطاك العقل لتميز، وأعطاك الشرع لتدقق، فلا ترمِ بتقصيرك على ساحة القضاء والقدر!".
هذا المدخل يقودنا إلى قضية يبتلى بها العديد من الشباب، مفادها هل الزواج مجرد "قسمة ونصيب" مسطّرة في اللوح المحفوظ لا مفر منها، أم هو اختيارٌ حر ومسؤولية يتحملها الإنسان؟
الحقيقة التي يجب أن نفهمها بعمق، هي أن الله سبحانه وتعالى خلق الزوجين الذكر والأنثى، وجعل المودة والرحمة بينهما،
وصحيحٌ أن علم الله الأزلي كاشفٌ عن كل واقع، ويعلم بمن ستتزوج، ولكن "العلم" لا يعني "الجبر".
الله لا يجبر عبده على اختيار شريك حياته، بل ترك له مساحة الإرادة والاختيار، ولو كان الأمر جبراً محضاً لما كان لتعاليم النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) أي معنى.
فقد ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قوله: "تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس".
- المحجة البيضاء، للفيض الكاشاني 3: 93.
وتأملوا كلمة "تخيّروا"، فهي فعل أمر يدل على السعي والبحث والاختيار.
ولو كان الزواج قدراً محتوماً خارج إرادتنا، لما أمرنا النبي أن نتخير، ولما قال "عليك بذات الدين"، أو "عليك بالعفيفة".
هذه التوصيات دليل قاطع على أننا مسؤولون عن اختياراتنا.
وهنا يظهر دور الإسلام ليضع لنا "المسطرة" التي نقيس بها هذا الاختيار. فالإسلام لا يتدخل في العبادات فحسب، بل يتدخل في أدق تفاصيل الأسرة، في الأخلاق، في التعامل داخل البيت، وحتى في "الحضانة".
لماذا الحضانة؟
لأن الأم والبيت هما "المحضن" الاجتماعي والتربوي الذي ينشأ فيه الجيل، فإن فسد الاختيار، فسد المحضن، وضاع النسل.
ومن دقة التشريع الإسلامي وحرصه على سلامة هذه المؤسسة المقدسة، نجد فقهاءنا العظام -رضوان الله عليهم- قد بحثوا في "العيوب" التي تبيح فسخ عقد الزواج، حفاظاً على سلامة الطرفين والنسل.
وهنا نستحضر ما ذكره الشهيد الثاني (قدس سره) حين تطرق إلى نماذج من الأمراض والعيوب التي توجب الخيار في فسخ العقد.
فقد أشار إلى أن "الجنون" مثلاً، وبعض الأمراض المنفّرة أو المعدية عند الرجل أو المرأة، تُعد سبباً شرعياً لإنهاء العلاقة.
لماذا كل هذا التدقيق الفقهي؟
ليس تعقيداً، بل لضمان أن تكون البيئة الزوجية بيئة سليمة من كل الجوانب:
• سليمة صحياً: خالية من الأمراض الوراثية أو المنفّرة.
• سليمة عقائدياً: أن يكون الزوجان على دينٍ وخلقٍ قويم.
• سليمة اجتماعياً: تضمن استقرار الأبناء ونشأتهم الصالحة.
إن الزواج ميثاقٌ غليظ، ومسؤولية كبرى أمام الله.
فلا تقل "مكتوب" وأنت لم تعقل وتتوكل، ولا تظن أن الله يرضى لك الضرر.
أحسنوا الاختيار، ودققوا في الدين والخلق والسلامة، لتكون بيوتكم رياضاً من رياض الجنة، لا حفرة من حفر الشقاء.
-------------------
منقول
