بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد
في حياة المؤمن، كثيرًا ما يجد نفسه مشوشًا في باطنه، ومتأرجحًا بين القلق والخوف، متأثرًا بما حوله من علاقات متوترة أو ضغوط الحياة اليومية. هذا التشتت الداخلي والخارجي، كما يقول القرآن الكريم، يعيق الإنسان عن السير إلى الله سيرًا حثيثًا:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:124]
فالإنسان الذي يغرق في مشوشاته الداخلية أو نزاعاته الخارجية يعيش حياة ضنكًا، ويمضي في امتحان الدنيا بلا صفاء، فكيف به امتحان الآخرة؟
أولًا: المشوشات الباطنية
المشوشات الباطنية هي صراعات القلب والروح: قلق، توتر، شعور بالذنب، فقدان التركيز. ولعلاجها، أمرنا أهل البيت عليهم السلام بالصفاء الداخلي والذكر المستمر. يقال:
"الأعمال بالخواتيم، وسبيل الرشاد تهذيب النفس".
ومن هنا، يبدأ العلاج من الاعتراف بما يزعج قلبك، فالصمت عن المشوشات يزيدها سوءًا. يوصي القرآن الكريم بالتفكر في النفس والكون:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:24]
فالتدبر والتمعن بالآيات يصفو القلب، ويزيل الغشاوة عن الرؤية الروحية.
خطوات عملية للباطن:
الاعتراف بالمشكلة: كتابة القلق والمخاوف لتخفيف الضغط النفسي.
الذكر والاستغفار: يقال "من أكثر من الاستغفار، أعطاه الله قلبًا مطمئنًا".
تنظيم النية: تحديد الأولويات، وترتيب المهام، كما يرتب الطالب دراسته قبل الامتحان.
التأمل اليومي: دقائق صمت وتفكر وتدبر ، هدوء والابتعاد عن زوائد الملهيات والمشاغل الدنيوية ، ذكر لله.
ثانيًا: المشوشات الخارجية
أما المشوشات الخارجية فهي النزاعات مع الآخرين، العلاقات المتوترة، أو ظروف الحياة المرهقة. القرآن يحثنا على التسامح وإصلاح ذات البين:
﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الحجرات:9]
وأهل البيت عليهم السلام يؤكدون على حسن التعامل مع الناس حتى في الظروف الصعبة. يقال :
"السكوت عن الجاهل حكمة، والصفح عن المعتدي شجاعة".
خطوات عملية للخارج:
مراجعة العلاقات المتوترة: هل يمكن الصلح أو الاعتذار؟
وضع حدود واضحة: حماية النفس من الانفعال والضغط النفسي.
التواصل الصادق: الحديث بهدوء، اختيار الوقت المناسب بعيدًا عن التوتر.
تنظيم الوقت والانشغالات: كما ينظم الطالب وقته للامتحان، نظم وقتك لتوازن بين العمل والراحة والعبادة.
ثالثًا: التشبيه بالامتحان
تمامًا كما يحتاج الطالب صفاء ذهن لتركيز أكبر في امتحاناته الدراسية، يحتاج المؤمن صفاء الباطن وعلاقات هادئة استعدادًا للامتحان الأكبر: امتحان الآخرة. يقال فيما معناه من رويات اهل البيت عليهم السلام :
"العاقل من استعد للآخرة بعمله في الدنيا، واستبطن الخير لنفسه".
فمن يعتني بباطنه ويصلح علاقاته الخارجية، يكون قادرًا على السير إلى ربه سيرًا حثيثًا، ويكون قلبه مطمئنًا، كما وعد الله في كتابه:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:28]
خطوات عملية يومية
صباحًا: ساعة او نص ساعة دقائق ذكر واستغفا وتجديد النية لله تعالى وطلب العون والتوفيق والتوكل عليه.
بعد الظهر: مراجعة الأمور العالقة، كتابة خطة للصلح أو تنظيم العلاقات.
مساءً: دقيقة محاسبة استغفار شكر و تذكّر نعم الله.
قبل النوم: صلاة قصيرة وذكر، وإلقاء كل القلق بين يدي الله.
بهذه الخطوات، يصبح المؤمن قادرًا على ترتيب باطنه وعلاقاته الخارجية، والسير نحو الله مطمئنًا، مستعدًا للامتحان الأكبر، محافظًا على قلبه متزنًا، وعقله صافٍ، وروحه هادئة.
