بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾[1].
﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي﴾، هي بشرى لإبراهيم (عليه السلام) ولزوجته سارة على ما حكاه الله تعالى في قصة بشارته أيضاً إذ قال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ* فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ* قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ* قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ* رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ..﴾[2]، وكلامهما كما ترى يلوح منه آثار اليأس والقنوط ولذلك قابلته الملائكة بنوع كلام فيه تسليتهما وتطييب أنفسهما فما كان هو ولا أهله يعلم أن سيرزق ذرية، وقوله (عليه السلام): ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾، بعد قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، قول من يعتقد لنفسه ذرية، وكيف يسع من له ادنى دربة بأدب الكلام وخاصة مثل إبراهيم الخليل في خطاب يخاطب به ربه الجليل أن يتفوه بما لا علم له به ؟ ولو كان ذلك لكان من الواجب أن يقول: ومن ذريتي إن رزقتني ذرية أو ما يؤدي هذا المعنى فالقصة واقعة في أواخر عهد إبراهيم بعد البشارة.
على أن قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، ورد عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: ((هِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تَلَقَّاهَا آدَمُ مِنْ رَبِّهِ فَتَابَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ، أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ إِلاَّ تُبْتَ عَلَيَّ ..))[3].
قال: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، يدل على أن هذه الإمامة الموهوبة إنما كانت بعد ابتلائه بما ابتلاه الله به من الامتحانات وليست هذه الا أنواع البلاء التي ابتلى (عليه السلام) بها في حياته، وقد نص القرآن على أن من أوضحها بلاء قضية ذبح إسماعيل (عليه السلام)، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾[4]، إلى أن قال عز وجل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾[5].
والقضية إنما وقعت في كبر إبراهيم (عليه السلام)، كما حكى الله تعالى عنه من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ ..﴾[6].
ولنرجع الى الفاظ الآية فقوله: واذ ابتلى ابراهيم ربه، الابتلاء والبلاء بمعنى واحد تقول: ابتليته وبلوته بكذا، أي امتحنته واختبرته، اذا قدمت اليه أمراً أو أوقعته في حدث فاختبرته بذلك واستظهرت ما عنده من الصفات النفسانية الكامنة عنده كالإطاعة والشجاعة والسخاء والعفة والعلم والوفاء أو مقابلاتها، ولذلك لا يكون الابتلاء إلا بعمل فإن الفعل هو الذي يظهر به الصفات الكامنة من الإنسان دون القول الذي يحتمل الصدق والكذب قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾[7]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ ..﴾[8].
فتعلق الابتلاء، في الآية بالكلمات إن كان المراد بها الأقوال؛ إنما هو من جهة تعلقها بالعمل وحكايتها عن العهود والأوامر المتعلقة بالفعل كقوله تعالى ﴿..وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا...﴾[9]، أي عاشروهم معاشرة جميلة وقوله : بكلمات فأتمهن ، الكلمات وهي جمع كلمة وإن أُطلقت في القرآن على العين الخارجي دون اللفظ والقول، كقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾[10]، إلا أن ذلك بعناية إطلاق القول كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾[11].
[1] سورة الحجر، الآية: 54.
[2] سورة هود، الآية: 73.
[3] الخصال، ص 304، ح 84.
[4] سورة الصافات، الآية: 102.
[5] سورة الصافات، الآية: 106.
[6] سورة إبراهيم، الآية: 39.
[7] سورة القلم، الآية: 17.
[8] سورة البقرة، الآية: 249.
[9] سورة البقرة، الآية: 83.
[10] سورة آل عمران، الآية: 45.
[11] سورة آل عمران، الآية: 59.
