بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾[1].
﴿وَالْأَنْعَامَ﴾، المقصود الإبل والبقر والغنم، وانتصابها بمضمر يفسّره ﴿خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ﴾. أو بالعطف على الإنسان. و ﴿خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ﴾، بيان ما خلقت لأجله، وما بعده تفصيل له، فهو طرح لأحد معطيات السماء متمثلاً في الثروة الحيوانية ﴿الْأَنْعَامَ﴾، حيث أشار المقطع إلى عنصري الفائدة والجمال فيها، أما الفائدة فتتمثل في كونها تسدّ الحاجة إلى الطعام كما تسد الحاجة إلى الملبس ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾، مثلما تسدّ حاجاتٍ أخرى مثل حمل الأثقال أو الأمتعة، فضلاً عن حاجات متنوعة مثل الركوب وحرث الأرض وما إليه، فهو ما يدفأ به من لباس معمول من الصوف والشعر ك: ملء، اسم ما يملأ به فيقي البرد وذلك قوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾[2].
﴿وَمَنَافِعُ﴾، فيها وفي نسلها ودرّها وظهورها، وإنّما عبّر عنها بالمنافع ليتناول عوضها.
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم والألبان، وتقديم الظرف للمحافظة على رؤوس الآي، أو لأنّ الأكل منها هو المعتاد المعتمد عليه في المعاش، فالأكل يكون من لحومها ومن محاصيل ألبانها جبنا وسمنا وزبدا، ومن منافعها هي الزراعية، سمادا من روثها ككل، وإثارة للحرث من أبقارها ومن أشباهها، ومنها شحومها المعمول منها مواد شحمية، وما إلى ذلك من منافع مكشوفة لحد الآن كاستيلادها، وبيعها أو ايجارها، أو المنافع التي تكشف على مر الزمن والحاجيات المتجددة.
وأمّا الأكل من سائر الحيوانات المأكولة كالصيود البرّيّة والبحريّة، كالدجاج والبطّ فعلى سبيل التداوي أو التفكّه.
إذاً، استهلال السورة بعرض مثل هذا المعطى واستثماره للإنسان: يظل مفسّراً لنا أهمية هذه الظاهرة من حيث الفائدة.
أما من حيث الجمال، فقد أشار المقطع بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾[3]، حيث أن تحركهما يستثير الحس الجمالي عند الإنسان.
إن الإحساس بالجمال يظل إحدى الحاجات الثانوية لدى الشخصية، والمشرّع الإسلامي حينما يتيح للشخصية مجال الإشباع للحاجة المذكورة: إنما يقوّم ويثمّن هذه الحاجة دون أدنى شك بصفتها تساهم في تخفيف أعباء الحياة، وتظل بمثابة استراحة يستعين بها الإنسان على مواصلة مهمته العبادية.
فأنتم معها في المراعي التي تسرحونها فيها سراحا جميلا لكم ولها، وفي كل ذلك اراحة ومسرحا للاستمتاع فارهة رائعة، واهالي الأرياف يدركون ذلك الجمال تماما أكثر مما يدركه اهالي المدن.
ولماذا يتقدم جمال الإراحة على جمال السرح بعكس الترتيب؟ علّه لأنها ترجع مليئة البطون حافلة الضروع، حاضرة الألبان، ولكنها عند السرح جائعة عادمة الألبان، فهي عند الإراحة أجمل منها من السرح، مهما كان للسرح جمال آخر ليس فيها.
فالجمال في الحياة الانسانية عنصر أصيل من عناصرها، فليست نعمة الأنعام من نعمة، هي فقط مجرد تلبية الحاجيات الضرورية الحيوانية من طعام وشراب وركوب، بل وتلبية للأشواق الزائدة على الضروريات الحيوية، لحاسة الجمال ووجدان الفرح المرتفع عن حمأة الحيوانية، وكما أن عنصر الجمال للروح كمال، كذلك للجسم، مهما كان الأصل هو جمال الروح، والجسم بجماله تقدمة وذريعة الى جمال الروح.
المهم، أن الإشارة إلى عنصري الفائدة والجمال بالنسبة إلى ﴿الْأَنْعَامَ﴾، تكرر الآية الحديث عنهما بالنسبة إلى أنماط حيوانية أخرى حينما نواجه مقطعاً جديداً يقول: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[4].
وتهمنا من هذه الآية: عمارتها الفنية من حيث تجانس موضوعها مع الموضوع السابق، فكما أن ﴿الْأَنْعَامَ﴾، تتضمن عنصري الفائدة والجمال كذلك: الأنماط الحيوانية الثلاثة تتضمن نفس العنصرين الفائدة والجمال حيث يقول النص: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾، فالركوب هو المجسّد لعنصر الفائدة، والزينة هي المجسّد لعنصر الجمال.
إذاً، ينبغي ألاّ نغفل عن جمالية هذه العمارة الفنية التي تتناغم خطوط مقاطعها بعضاً مع الآخر وفق الإشارة إلى عنصري الفائدة والجمال لظاهرة الحيوان الذي يستثمره الكائن الآدمي.
[1] سورة النحل، الآية: 5.
[2] سورة النحل، الآية: 80.
[3] سورة النحل، الآية: 6.
[4] سورة النحل، الآية: 8.
