المضمار الآخر الذي يحتاج الإنسان إلى الرفق والمداراة فيه هو تربية الأطفال.
إنّ الإمام السجّاد (ع) يعتبر الرفق والمداراة حقّاً من حقوق الأطفال، ويقول: "وأمّا حقّ الصغير: فرحمته وتثقيفه وتعليمه والعفو عنه والستر عليه والرفق به"
والمقصود من الرفق والمداراة في بحث التربية هو أوّلاً: أن ينظر المربّي إلى قابليّات الطفل الجسميّة والفكريّة، لئلّا يُكلّفه أكثر من قابليّاته، يقول الإمام الصادق (ع):
"إنّا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم، فإن كان إلى نصف النهار وأكثر من ذلك أو أقل، فإذا غلبهم العطش والغرث أفطروا حتّى يتعوّدوا الصوم ويُطيقوه، فمروا صبيانكم إذا كانوا أبناء تسع سنين بما أطاقوا من صيام، فإذا غلبهم العطش أفطروا"
وثانياً: إذا عمل الطفل عملاً بمستوى قابليّاته يقبله منه، ويُشجّعه من خلال الشكر والتقدير على العمل بصور أفضل وأكثر اتقاناً، يقول رسول الله (ص): "رحم الله من أعان ولده على برّه، قيل: كيف يُعينه على برّه؟ قال: يقبل ميسوره، ويتجاوز عن معسوره، ولا يُرهقه، ولا يخرق به"
وكان بعض الشخصيات الكبيرة يُبيّنون طلباتهم واحتياجاتهم على شكل أمنيات ورغبات أمام أولادهم، فإذا فهم أحدهم ذلك استجاب لها، مثلاً: كانوا يقولون: "لو تهيّأ هنا ماءٌ باردٌ للشرب"
وكانوا يخافون على أولادهم أنّهم إذا طلبوا منهم بشكل مباشر وبصورة أوامر أن يُهملوها، فيبتلوا بعقوق الوالدين وتفوتهم السعادة الأبديّة، وكان البعض يوقظ أولاده لصلاة الصبح بالضحك والمزاح لئلّا يتنفّروا من الصلاة.
--------------------------------
كتاب "الأخلاق الإلهية" ج 6 للشيخ مجتبى الطهراني (رض)
