بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾[1].
﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ﴾، للموجودات مراتب اشرفية في عالمنا السفلي فمرتبة النبات تأتي بعد الحيوان فاستدلّ سبحانه به، ومادّة النبات الماء، والمنزل من السحاب أو من السماء، و ﴿لَّكُم﴾، من ذلك الماء ﴿شَرَابٌ﴾، تشربونه أي منه لشربكم و ﴿لَّكُم﴾، صلة ﴿أَنزَلَ﴾، أو خبر ﴿شَرَابٌ﴾، و «من» تبعيضيّة متعلّقة به.
وتقديمها يوهم حصر المشروب فيه، ولا بأس به، لأنّ مياه العيون والآبار منه، لقوله تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ﴾[2]، وقوله: ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾[3]، ﴿وَمِنْهُ﴾، لشرب الشجر وسقيه وحذف المضاف ﴿تُسِيمُونَ﴾، أي ترعون أنعامكم، والسوم الرعي، من غير كلفة والتزام مؤونة لعلفها.
قيل: معناه لكم من ذلك الماء شراب، ومنه شرب شجر أو سقي شجر، فحذف المضاف، أو لكم من سقيه شجر، فحذف المضاف إلى الهاء في ﴿مِنْهُ﴾، والمراد بالشجر الّذي ترعاه المواشي.
﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾، من: سامت الماشية إذا رعت، وأسامها صاحبها.
وأصله: السومة، وهي العلامة، لأنّها تؤثّر بالرعي علامات في الأرض.
وقيل: النجم ما ينجم من الأرض ممّا ليس له ساق ومن الشجر ما له ساق، وعطف الجنس على النوع والنوع على الجنس شائع، ولفظ الشجر مشعر بالاختلاط.
وعليه فهذا المقطع يطرح موضوعاً آخر هو المطر من حيث كونه أيضاً (معطىً) سخّره الله للإنسان ليفيد منه في إشباع حاجاته الحيوية والجمالية، ولنقرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ* يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
واضح أن المعطى المذكور لا تنحصر أهميته في كونه مادة يستثمرها الإنسان لإشباع حاجاته، بل أن المعطيات جميعاً الثروة الحيوانية والطبيعية إنما ينبغي أن تُوظّف من أجل الإدراك العبادي لفلسفة الوجود، لذلك ما أن انتهت الآية من ذكر المطر حتى عقّب عليه بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، بمعنى أن المعطيات المذكورة ينبغي أن تحمل الإنسان على التفكّر في الله تعالى وإبداعه والهدف العبادي من وراء خلق الإنسان.
ويتأكد هذا الهدف بقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[4]، ﴿سَخَّرَ لَكُمُ﴾، هو جعل الليل والنهار والشمس والقمر ملبية لحاجيات إنسان الأرض، مهما كان فيها منافع لما في السماء ومن فيها، وهذه الأربع ذوات آثار حاسمة في الحياة الارضية، فكل دون قرينه لا تلبّي الحاجة كما تجب، أو وتعسّر الحياة أو تحيلها.
ولماذا ﴿سَخَّرَ﴾، دون النجوم فإنها ﴿مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾، هنا وفي سورة الأعراف، الآية (54)؟ بفارق ان ﴿مُسَخَّرَاتٌ﴾، هنا مرفوعة وهناك منصوبة؟ علّه لأن غالبية إنتفاعات النجوم ككل هي لسائر الخلق، مهما كانت لنا نافعة، كما ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾[5]، ف ﴿النُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾، معطوفة جملة على الجملة السابقة.
فمن النجوم ما لا تنالها العيون المسلحة فضلا عن المجردة، فضلا عن أن نهتدي بها في ظلمات البر والبحر أو أية عائدة منهما، اللهم إلاّ بعيدة غير مشهودة.
ولأنها كلها مع الأربع الاولى، مسخرات بأمره وتدبيره، كما هي كائنات بخلقه فليست لتتفلت عن أمره أو تتلفت الى غير امره، فهي منضّده منظّمة كما امر اللّٰه، منساقة الى ما ساقها اللّٰه، فهي إذا من آيات اللّٰه كونا وكيانا وتوحيدا للّٰه فتعقيبه تعالى على الآية: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، يدلّنا على أن الهدف من عرض هذه المعطيات العنصر الحيواني والطبيعي من مطر وشجر وشمس وثمر وليل ونهار وكل الثروات التي تفرزها الأرض.
إنما هي آيات ينبغي أن تحمل الإنسان على ممارسة هدفه الأوحد وهو (عبادة الله تعالى) وإلى أنها مجرد وسائل يتعيّن توظيفها من أجل الهدف المذكور.
[1] سورة النحل، الآية: 10.
[2] سورة الزمر، الآية: 21.
[3] سورة المؤمنون، الآية: 18.
[4] سورة النحل، الآية: 12.
[5] سورة الأنعام، الآية: 97.
