بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
نعيش في رحاب شهر رمضان المبارك، شهر العودة إلى الله، شهر تصحيح المسار قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم. ومن الآيات التي تقف بنا عند حقيقة المصير قوله تعالى:
﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (القيامة: 12)
هذه الآية تختصر الحقيقة الكبرى: النهاية إلى الله، القرار إليه، والحساب بين يديه.
فلا مهرب يوم القيامة، ولا ملجأ إلا إليه سبحانه.
🔹 صناعة الإنسان مصيره بنفسه
القرآن يؤكد أن الإنسان هو الذي يصنع مصيره بيده، بأعماله، بمواقفه، بولائه، وباختياراته.
ليس هناك ظلم في الحساب، بل هو تجسيد لما قدّمت أيدينا.
يوم القيامة ليس مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لمسارٍ اخترناه.
🔹 الحُمر المستنفرة… لماذا هذا التشبيه؟
قال تعالى:
﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ (المدثر: 49-51)
يشبّه الله المعرضين عن الموعظة بالحُمر الوحشية التي تفرّ مذعورة.
لماذا يفرّ الإنسان من الذكر؟ من النصيحة؟ من الحقيقة؟
لأن القلب إذا عمي، لم يعد يرى النور نورًا.
ولأن النفس إذا تعلّقت بالدنيا، أصبحت تنفر من كل ما يذكّرها بالآخرة.
🔹 الإعراض عن التذكرة… وإعراض عن الولاية
الإعراض ليس مجرد ترك سماع الموعظة، بل قد يكون إعراضًا عن الولاية الإلهية التي جعلها الله امتدادًا للرسالة.
فالقبول الحقيقي للدين لا يكتمل إلا بقبول من نصّبهم الله خلفاء في أرضه.
ولهذا كان تاريخ الأمة مليئًا بمحاولات محاربة أتباع آل محمد عليهم السلام، لأن الولاية تمثل الامتداد الشرعي لخط النبوة.
🔹 (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ)
قال تعالى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (الذاريات: 50)
الفرار عادة يكون من شيءٍ مخيف…
لكن القرآن يدعونا إلى الفرار إلى الله!
أي: اهربوا من الذنب إلى الطاعة،
من الغفلة إلى الذكر،
من الدنيا إلى الآخرة،
من ولاية الباطل إلى ولاية الحق.
فالفرار إلى الله هو الالتجاء إلى حججه وخلفائه، لأنهم أبواب الله التي منها يُؤتى.
🔹 ما معنى الرجوع إلى الرب؟
الرجوع إلى الله ليس فقط بالموت، بل بالتوبة، بالإنابة، بالتسليم، بالالتزام بالمنهج الإلهي.
أن يعود القلب قبل أن يعود الجسد.
أن نصحّح المسار قبل أن يأتي يوم الاستقرار الأبدي.
🔹 مصاديق الفرار إلى الله
التوبة الصادقة
إصلاح العلاقة مع الله ومع الناس
التمسك بالقرآن
الثبات على الولاية
انتظار الفرج بروح المسؤولية
🔹 الأمان والملجأ في زمن الفتن
في زمن الاضطراب والضياع، يكون الأمان في التمسك بالحجة الإلهية.
والإيمان الحقيقي يقتضي التسليم للإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، بوصفه الامتداد الحي للقيادة الإلهية.
الانتظار ليس حالة سلبية، بل التزام عملي، واستعداد دائم، وثبات على الحق.
🔹 الولاية… شرط قبول الدين
الدين ليس طقوسًا مجردة، بل منظومة كاملة تقوم على الطاعة لله عبر الطريق الذي رسمه.
ومن دون الولاية، يفقد العمل روحه، ويفقد الدين اكتماله.
الرسالة القرآنية واضحة:
لا تنتظروا لحظة الندم.
لا تكونوا ممن يفرّ من الموعظة.
لا تعرضوا عن التذكرة.
اصنعوا مصيركم قبل أن يُختم عليه.
فرّوا إلى الله قبل الأوان…
فإن يومًا سيأتي لا مجال فيه للفرار،
ويكون فيه المستقر إلى ربك وحده.
