إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[1].

    ﴿سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾، بحسب القدرة الكاملة لصاحب الشأن العظيم خالق الخلق ذلّل البحر وهيّأه لانتفاعكم به بالركوب فيه على البواخر والسفن البخارية والاصطياد والغوص ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، أي جديدا ذا طراوة، واتّصافه بالطراوة لأنه أرطب من كلّ لحم وأسرع إلى الفساد من كل لحم، وفيه إشارة إلى المسارعة لأكله وإظهار قدرته وحكمته حيث أوجد اللحم الحلو الطعم من المياه المالحة وجعله فيها حتى لا يتطرّق إليه الفساد ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾، أي لتغوصوا فيه وتخرجوا منه ما تتزيّن به نساؤكم لكم من اللؤلؤ والمرجان.
    ولمّا كان تزيينها لهم فلذا نسب الحلية إلى الرّجال ويمكن أن يكون المراد تزيين الرجال بأنفسهم كما هو ظاهر الكريمة لا أن النسبة باعتبار المتعلّق.
    والحاصل أن الله تعالى خلق في البحار منافع كثيرة، ولكن ذكر هنا منها ثلاثة أنواع: -
    الأول: اللّحم الطريّ‌ الّذي هو في غاية العذوبة أخرجه عباده من البحر الملح الزعاق بقدرته الكاملة فأخرج الضدّ من الضدّ.
    والثاني: ما يتزيّن به ويلبس من اللؤلؤ والمرجان وغيرهما.
    والثالث: هو قوله تعالى ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾، أي جواري تمخر الماء وتشقّه بصدرها ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾، تطلبوا من سعة رزقه، بركوبها للتجارة ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، الله على نعمة بعد معرفتها من تسخير البحر، وتعليم صنعة السّفن، ومعرفة إجرائها على الماء للانتفاع بها وتخصيص هذه النعمة معقّبة بالشكر لأهمّيتها وعظمتها، حيث إنه تعالى جعل المهالك سببا للانتفاع وتحصيل المعاش وإبقاء الحياة وهذه من العجائب التي ينبغي لها الشكر كثيرا.
    تَوْحِيدُ اَلْمُفَضَّلِ، قَالَ اَلصَّادِقُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: ((يَا مُفَضَّلُ فَكِّرْ فِي هَذِهِ اَلْأَصْنَافِ اَلثَّلاَثَةِمِنَ اَلْحَيَوَانِ وَفِي خَلْقِهَا... فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ سَعَةَ حِكْمَةِ اَلْخَالِقِ وقِصَرَ عِلْمِ اَلْمَخْلُوقِينَ فَانْظُرْ إِلَى مَا فِي اَلْبِحَارِ مِنْ ضُرُوبِ اَلسَّمَكِ ودَوَابِّ اَلْمَاءِ واَلْأَصْدَافِ واَلْأَصْنَافِ اَلَّتِي لاَ تُحْصَى ولاَ تُعْرَفُ مَنَافِعُهَا إِلاَّ اَلشَّيْءُ بَعْدَ اَلشَّيْءِ يُدْرِكُهُ اَلنَّاسُ بِأَسْبَابٍ تُحْدَثُ))
    [2].
    وإنّ علماء الهيئة قالوا: ثلاثة أرباع الأرض غائصة في الماء وذلك هو المحيط وهو كليّة عنصر الماء، وحصل في هذا الرّبع المسكون سبعة من البحار، كما قال سبحانه: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ
    [3]، ولعل المراد بالبحر الذي سخّره الله تعالى هذه الأبحر السبعة باعتبار الجنس.
    وحاصل معنى التسخير جعلها بحيث يتمكن الإنسان من الانتفاع بها إما بالركوب للتجارة وغيرها من الانتفاعيات، وإما بالغوص، وإما بالزرع في سواحلها ونواحيها كما هو المرسوم لأهل البنادر والسّواحل.
    ومن حيث عمارة السورة (النحل) لا بد أن نقف مليّا عندها لنتبيّن مدى جماليّة هذه العمارة وإحكامها.
    فقد سبق أن لحظنا أن السورة الكريمة عندما تحدثت عن الأنعام أشارت إلى وجود عنصرين فيها هما عنصر الفائدة وعنصر الجمال ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ* وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ..
    [4].
    وعند تحدث السورة عن الدواب الثلاث (الخيل . . . الخ) أشارت أيضا إلى عنصري «الفائدة» و «الجمال» فيها ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ
    [5]. وها هي الآن عندما تتحدث عن البحر والسمك تشير أيضا إلى عنصري الفائدة والجمال في ذلك حيث تقول الآية: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً﴾، فالأكل هو تجسيد لعنصر الفائدة والحلية تجسيد لعنصر الجمال.
    إذا، نحن الآن أمام عمارة فنية محكمة تتناغم خطوطها من حيث الوحدة والتباين، الوحدة في عنصري الفائدة والجمال، والتباين في عناصر المادة المتضمنة لذينك العنصرين.

    أما المادة الموضوعية ذاتها فإنها بدورها تخضع لبناء هندسي من نمط آخر هو إخضاعها بعامة إلى عنصرين آخرين هما: كون المادة مسخّرة لصالح الإنسان بتضمنها عنصري الفائدة والجمال، وكونها وسيلة للتفكّر في إبداع الله ومن ثم استثمارها للعمل العبادي.

    [1] سورة النحل، الآية: 14.
    [2] بحار الأنوار، ج 3، ص 106.
    [3] سورة لقمان، الآية: 27.
    [4] سورة النحل، الآيتان: 5 – 6.
    [5] سورة النحل، الآية: 8.

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
يعمل...
X