بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾[1].
السماء فيها نعم كثيرة تغدق بها على الإنسان الأرضي، وهذه سبيل ضمن قصد السبيل ف ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾، ظاهرية وباطنية ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾[2]، ينهى عنها.
فهي معالم الطّرق وما يستدلّ به المارّة من جبل وسهل، والأرياح أيضا.
﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، في الليالي كالمسافرين في البرّ والبحر.
فهنالك اهتداءات بعلامة أرضية وأخرى سماوية، ظاهرية هي ظاهرة لأهل الظاهر كما ورد عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: ((فِي قَوْلِهِ، ﴿وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾،قَالَ: ظَاهِرٌ وَبَاطِنُ اَلْجَدْيِ وَعَلَيْهِ تُبْنَى اَلْقِبْلَةُ وَبِهِ يَهْتَدِي أَهْلُ اَلْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ لِأَنَّهُ لاَ يَزُولُ))[3]، وروحية هي باهرة لغير اهل الظاهر، فرسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله) هو أنجم نجم به يهتدى، والأئمة هم اعلم العلامات، المهتدون به (صلى اللّٰه عليه وآله) الهادون لغيره، كما ورد عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: ((سَأَلَ اَلْهَيْثَمُ أَبَا عَبْدِ اَللهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَأَنَا عِنْدَهُ عَنْ قَوْلِ اَللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، فَقَالَ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: اَلنَّجْمُ وَاَلْعَلاَمَاتُ هُمُ اَلْأَئِمَّةُ عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ))[4].
إذا فنجم الهدى وعلاماتها هم باطن الآية، والعلامات الظاهرة والنجم هي ظاهرها، وكما كانت رواسي الأرض وأنهارها.
ثم الاهتداء الظاهر لا يخص اهل البحر كما العلامات لا تخص اهل البر حيث تنجم الهداية بريا وبحريا بالعلامات وبالنجم، فمن العلامات هي معالم الطرق جبالا وغابات وتلالا وسائر المرتفعات والمنخفضات، وكذلك الرياح بل والأرياح، فقد ينقل عن جماعة كانوا يشمون التراب ويتعرفون برائحته الطريق.
والضمير ﴿هُمْ﴾ راجع إلى مطلق البشر، وقيل: راجع الى قريش لأنهم كانوا مشهورين برحلة الشتاء والصّيف، وكانوا كثيري الأسفار للتجارة ومعروفين بأنهم يهتدون بالنجوم إلى الطرق وهم أعرف من كلّ أحد بها في ذلك الزمان.
وإخراج الكلام من سنن الخطاب إلى الغياب وتقديم الظرف، أي وبالنجم وإقحام الضمير بينه وبين متعلّقه، كلّ ذلك للتخصيص كأنه قيل: الاهتداء بالنجوم الى الطّرق منحصر بهؤلاء وهذا المعنى يناسب عود الضمير إلى العموم لا إلى طائفة دون أخرى، ولكن إلى نوع دون آخر لا بأس به كما هو بيّن، فإن معرفة الطريق ميسور لنوع المسافرين وإن كان بعضهم أعرف. وهذا لا يصير سببا للحصر كما لا يخفى، فالاعتبار بهذه النعمة والشكر عليها ألزم وأوجب.
والعلامة هي ما يعلم به الشيء المجهول، خلقية كانت كالتي ذكرت، أم وضعية، كما يهتدى باللاّسلكية والرادار من الوسائل المصطنعة هي كلها من إلقاءات اللّٰه في الأرض ولإنسان الأرض، وعلينا أن نستعلم علامات اللّٰه على ضوء تقدم العقل والعلم، علامات مادية كذريعة لأخرى روحية هي أحرى بالاستعلام لما ألقى لنا الملك العلام.
وقال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره: [بطبيعة الحال فهذه إحدى الفوائد الجملة للنجوم، ولو لم يكن لها سوى هذه الفائدة لكان كافيا لوجودها، خصوصا في زمن لا إسطرلاب فيه ولا مؤشرات قطبية تعين السفن في تحديد مسيرها وفق خرائط أعدت لذلك الغرض، وقديما كانت الرحلات تتوقف إذا ما غطيت السماء بالسّحب وتلبدت بالغيوم، ومن يجرأ على تكملة السفر فسيواجه خطر الموت.
وكما هو معلوم اليوم، فإنّ النجوم التي تبدو لنا متحركة في السماء عبارة عن خمسة كواكب، ويطلق عليها اسم السيارات، والسيارات أكثر من خمسة، إلا أنّ البقية لا يمكن تشخيصها بالعين المجرّدة بسهولة، أمّا بقية النجوم فإنّها تحتفظ بمكانها النسبي، وكأنّها لآلئ خيطت على قطعة قماش أسود، وهذه القطعة كأنّها تسحب من إحدى جهاتها فتتحرك بكاملها.
وبعبارة أخرى: إنّ حركة النجوم الثوابت جمعية، وحركة السيارات انفرادية، حيث تتغير المسافات بينها وبين الثوابت باستمرار.
إضافة لذلك، فالنجوم الثوابت تشكل فيما بينها أشكالا معينة تعرف ب (الصور الفلكية) ولها الأثر الكبير في معرفة الاتجاهات الأربعة (الشمال، الجنوب، الشرق، والغرب)][5].
[1] سورة النحل، الآية: 16.
[2] سورة النحل، الآية: 9.
[3] وسائل الشيعة، ج 4، ص 307.
[4] الكافي، ج 1، ص 207.
[5] تفسير الأمثل، ج 8، ص 154.
