بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾[1].
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾، ليست لهم نعمة يخلقونها، فإنهم ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾، ولا نعما لأنفسهم فضلا عن سواهم، ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، بذواتهم وصفاتهم ونعمهم، فهم إذا من نعمة اللّٰه التي خلقها وأنتم تبدونها نعمة وكفرا، والمقصود إن الآلهة التي تعبدونها من الأصنام التي لا تقدر على خلق شيء بل هي مصنوعة منحوتة من الحجر والخشب ونحوهما من الجمادات، وهذا من باب التنبيه والاعلام، حيث أنهم كانوا يشعرون ويلتفتون بأنها جماد مخلوق لهم، لكن من باب غاية العناد والجحود يعبدونها وكان بعضهم قائلين بأنها آلهتنا وبعضهم بأنها شفعاؤنا، فهي لا تخلق شيئا بل هي مخلوقة ضعيفة مفتقرة لغيرها.
ثم وهم ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾، وهم في حياتهم الدنيا وبعد موتهم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فكيف إذا تعبدونهم مع اللّٰه أو من دون اللّٰه؟ أترى ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾، هنا تخص غير ذوي الشعور من معبوديهم لمكان ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾[2]؟ ويشاركهم الأحياء ذوو الشعور والعقول في ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؟ ومجرد الحياة والشعور لا يبرّر عبادتهم وهم «لا يخلقون ويخلقون»! قد يكون «أموات ولا يشعرون» تنزلا عن الحجة الاولى: ﴿لَا يَخْلُقُونَ...﴾، بالنسبة للأصنام، فحتى لو صحت عبادة من لا يخلق ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، فلا بد إذا لأقل تقدير من حياتهم لكي يعلموا حال عبّادهم، ولا بد من شعورهم زمن بعث عبادهم ليبعثوهم للجزاء، أو يجازوهم حين يبعثون، فكيف أصبحوا أربابا وهم «لا يخلقون ويخلقون» وهم ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾؟ أو وحتى الطواغيت ذوي العقول الأحياء، هم ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾، «كفار غير مؤمنين» فاقدين حياة الايمان باللّٰه، فكيف يشركون باللّٰه، ولو كان للّٰه شركاء لكانوا من اوّل المؤمنين به. أو إنّ هذه الأربع هي مواصفات لما سوى اللّٰه، التي تجعلها لا تحق لها العبادة على أية حال، فكما أنهم اجمع ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، فقد لا يخلق ولا يخلق: إله منعزل عن الخالقية! وهم ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾! كذلك هم اجمع ﴿أَمْوَاتٌ﴾، عن كونهم خالقين عالمين إسرارا وإعلانا ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾، بحياة الخالقية والعلم المحيط، وحق الالوهية أن تكون الآلهة «احياء غير أموات» لا يطرؤهم الموت، ولكنهم ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾، ليست لهم تلك الحياة الخالقة المحيية ابدا مهما كانوا أحياء! ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، لا هم ولا ما يعبدون، حيث العلم ب ﴿أَيَّانَ﴾، البعث وإبّانه كأصل البعث هما من مختصات الربوبية: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾[3]، فسلب الشعور عن ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، يعم كل ما سوى اللّٰه من عقلاء وسواهم، من ملائكة وأنبياء وسواهم، ومن قضايا الربوبية العادلة الحكيمة العلم ب ﴿أَيَّانَ﴾، البعث والقدرة عليه وهم لا يشعرون أيان يبعثون! فبجنب الحياة السرمدية الإلهية، وهي ذاتية العلم والقدرة اللاّنهائية، كل حي ميت حتى الرسول (صلى الله عليه وآله): ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾[4]، لا فقط سوف تموتون، وإنما «ميت وميتون» على أية حال حيث تفقدون حق الحياة التي من حقها الخلق والعلم، والقدرة على الخلق والنشور.
ثم ﴿الَّذِينَ﴾، مفعولا مقدما على «يعبدون» برهان ثان على قصد العموم، فكل معبود من دون اللّٰه، غير ذوي عقول كالأصنام، أم ذووا عقول من طواغيت، أم صالحين كالملائكة والنبيين، تشملهم ﴿الَّذِينَ﴾، تغليبا لموصول ذوي العقول على غيرهم.
وكون ﴿الَّذِينَ﴾، فاعلا بحذف المفعول ك «يعبدونهم - أو - يعبدونها» هو خلاف الأصل حيث الأصل خلاف الحذف، ثم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، يؤيدان عاقل الموصول.
إذا فهذه مواصفات أربع للمعبودين من دون اللّٰه من أي الثلاث وأيا كانوا، والإله الحق: لا يخلق، وهو يخلق حي لا يموت وهو يعلم مرسى الساعة فإنه يرسيها.
[1] سورة النحل، الآية: 20.
[2] سورة النحل، الآية: 21.
[3] سورة النمل، الآية: 65.
[4] سورة الزمر، الآية: 30.
