بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾[1].
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ﴾، القائل بعضهم على التهكّم، أو الوافدون عليهم، أو المسلمون.
و ﴿مَّاذَا﴾، إما منصوب ب ﴿أَنزَلَ﴾، بمعنى: أيّ شيء أنزل ربّكم؟ أو مرفوع بالابتداء، بمعنى: ايّ شيء أنزله ربّكم؟ فإذا نصبت فمعنى قوله: ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ما تدّعون نزوله أساطير الأوّلين، وإذا رفعته فالمعنى: المنزل أساطير الأوّلين.
وإنّما سمّوه منزلا على التهكّم، أو على فرض أنّه منزل فهو أساطير الأولين لا تحقيق فيه.
والقائلون قيل: هم المقتسمون الّذين اقتسموا مداخل مكّة ينفّرون عن رسول الله، إذا سألهم وفود الحاجّ عمّا أنزل على رسول الله قالوا: أحاديث الأوّلين وأباطيلهم.
ويكمل الحديث عز وجل من خلال الآيات اللاحقة من 25 الى 29 فقال: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، اللام للعاقبة، والمعنى: كان عاقبة أمرهم إذا فعلوا ذلك أن حملوا أوزار ضلالهم تامّة، فإنّ إضلالهم نتيجة رسوخهم في الضلال.
﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم﴾، وبعض أوزار ضلال من يضلّونهم، وهو حصّة التسبّب، يعني: حملوا أوزار إضلالهم وإغوائهم، ولم يحملوا أوزار ضلالهم.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، حال من المفعول، أي: يضلّون من لا يعلم أنّهم ضلاّل، وإنّما وصف بالضلال من لا يعلم، لأنّه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميّز بين المحقّ والمبطل.
﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، بئس شيئا يزرونه بفعلهم، عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اَللهِ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَللهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ: ((لاَ يَتَكَلَّمُ اَلرَّجُلُ بِكَلِمَةِ حَقٍّ يُؤْخَذُ بِهَا إِلاَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ أَخَذَ بِهَا وَلاَ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةِ ضَلاَلٍ يُؤْخَذُ بِهَا إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ أَخَذَ بِهَا))[2].
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: جعلوا وسائل ليمكروا بها رسل الله ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾، فأتاها أمره من جهة أساطين البناء الّتي بنوا عليها، بأن ضعضعت ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾، وصار سبب هلاكهم ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾، لا يحتسبون ولا يتوقّعون، وهو على سبيل التمثيل لاستئصالهم، والمعنى: أنّهم سوّوا منصوبات ليمكروا رسل الله بها، فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات، كحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين، فأتى البنيان من الأساطين، بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وهلكوا.
﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾، ثمّ يذلّهم أو يعذّبهم بالنار، كقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾[3].
﴿وَيَقُولُ﴾، على سبيل التوبيخ لهم والتهجين ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ﴾، تشركونهم معي في العبادة، فأضاف إلى نفسه استهزاء، أو حكاية لإضافتهم زيادة في توبيخهم.
﴿تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾، تعادون المؤمنين في شأنهم، فإنّ مشاقّة المؤمنين كمشاقّة الله.
﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، أي: الأنبياء أو العلماء الّذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد، فيشاقّونهم وينكرون عليهم، أو الملائكة ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ﴾، الذلّة والعذاب ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وفائدة قولهم إظهار الشماتة بهم، وزيادة الإهانة، وحكايته لأن يكون لطفا لمن سمعه.
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، ﴿ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾، بأن عرّضوها للعذاب المخلّد ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾، فسالموا وأخبتوا حين عاينوا الموت، وأصل الإلقاء في الأجسام، فاستعمل في إظهارهم الانقياد، إشعارا بغاية خضوعهم واستكانتهم، وأنّها كالشيء الملقى بين يدي الغالب القاهر، قائلين: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾، كفر وعدوان، فجاءوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق والكبر، ويجوز أن يكون تفسيرا للسلم، على أنّ المراد به القول الدالّ على الاستسلام. ﴿بَلَى﴾، أي: فتجيبهم الملائكة بلى ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، في الدنيا من الكفر والمعاصي، فهو يجازيكم عليه.
﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾، بأنّا لم نكن في زعمنا واعتقادنا فاعلين سوء.
واحتمل أن يكون الرادّ عليهم هو الله أو أولوا العلم، وهذا أيضا من الشماتة.
وكذلك ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾، كلّ صنف بابها المعدّ له، وقيل: أبواب جهنّم طبقات جهنّم ودركاتها المتضمّنة أصناف عذابها.
﴿فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾، المتعظّمين عن قبول الحقّ، واللام للتأكيد.
[1] سورة النحل، الآية: 24.
[2] وسائل الشيعة، ج 16، ص 173.
[3] سورة آل عمران، الآية: 192.
