بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾[1].
عندما يتوجه اللوم للمشركين على شركهم وامتيازهم عن الموحدين، فكان منطقهم: إن الله إذا كان كما يقول رسله وتنطق عنه كتبه قادرا على كل شيء ويريد تركيز التوحيد فيما بين الناس فما باله لم يمنعنا بالقسر والإلجاء عن الشرك به والمخالفة له.
﴿الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، هم الذين خولطوا فخالطوا بين المشيئة التكوينية والتشريعية، فلأنهم يرونهم مشركين، فلو شاء اللّٰه ألاّ يشركوا ما كانوا مشركين، إذا فقد شاء اللّٰه شركهم فأشركوا كما شاء إيمان الموحدين فوحّدوا.
ف ﴿لَوْ﴾، هنا على حد تعبيرهم الخالط الغالط تحيل مشيئة التوحيد لهم، استدلالا بواقع شركهم، وأن مشيئة اللّٰه لا تغلب، إذا فقد شاء واقع الشرك منا فأشركنا، أو لم يشأ منا شيئا لا شركا ولا سلبه فلماذا تدعوننا إلى رفضه، أو شاء التوحيد فتغلبت مشيئتنا على مشيئة اللّٰه وذلك كفر باللّٰه، فهكذا يتبرر شركنا باللّٰه، حفاظا على كرامة اللّٰه! ومنهم الجبرية الناكرة للاختيار في الأفعال، يقولون مثل قولهم، و ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، من المشركين، استصوابا لفعلهم بذلك البرهان الماكر الحاكر، ولكن: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، أنه ما شاء ولن يشأ شركهم في شرعته، ودعاهم ببلاغ رسالي مبين في الآفاق وفي أنفسهم إلى توحيده، وخيّرهم بين الايمان والكفر، ورغّبهم في الايمان ونددهم بالكفر؟ فقد شاء اللّٰه ألا تعبدوا إلاّ إياه امرا مخيرا، ولم يشأ اللّٰه أن تعبدوا سواه أمرا مسيّرا، وهكذا لم يمنع آباءنا وأسلافنا عن ذلك ولو كان كما يقال عنه لما حرّمنا باختيارنا وحللنا ما نريد تحريمه وتحليله من دون أن نأخذه عنه توسط كتبه ورسله وبمثل هذا نطق ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾، عندما ليموا وفنّدوا لكنهم اشتبهوا اشتباها واسعا.
فسيروا ايّها العقلاء في الأرض التي كان يسكنها هؤلاء ﴿فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ﴾[2]، عاقبتهم ديارهم مهدومة وعروش عظمتهم ساقطة ولا تحرص يا نبي الإسلام على هداهم فإنّ الهداية لا تحلّ القلوب بالقسر ولا الصلاح يتبنّى الأفئدة بالقوة والله لا يهدى من يتقاضى الضلالة لنفسه ويستوحي الحيرة من شكوكه وليس لهؤلاء غدا من ناصر ينصرهم على الله أو ينتشلهم من عذاب واقع.
إن أمثلة هذا الاستدلال الهزيل القائم على ممارسة المكر في إضلال الآخرين وإضلال أنفسهم، من خلال المبالغة في القسم ومن خلال الذهاب إلى أن الله لو شاء ألا نعبد الأصنام من دونه: لفعل ذلك.
إن أمثلة هذا الكلام قائم على اللعب بالحقائق، مما يتطلب جوابا يتناسب مع حجم المكر المذكور، حينئذ فإن تقديم صورة فنية توضّح كيف أن المكر الشديد سوف يعود على أصحابه بنتائج تمحق أمثلة هذا المكر من أساسه، يظل أمرا له مسوغاته الفنية دون أدنى شك.
من هنا نجد أن صورة البنيان تجسّد شدّة المكر الذي خيّل للمنحرفين إحكام قواعده، وحينما تقول الآية بأن الله قد أتى ﴿بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾، فهذا يعني أن المكر من أساسه قد تهدم نهائيا، وحينما تقول الآية بأنه قد ﴿خَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾[3]، فهذا يعني أن الأمل أو اليقين الذي بنوا عليه مكرهم قد باغته الهدم بنحو يجدون من خلاله أن السقف وهو رمز فني للاطمئنان الذي غشيهم قد خرّ عليهما من فوقهم.
طبيعيا، أن السقف لا بد أن يخرّ من الفوق إلا أن تأكيد ذلك ينطوي على سرّ فنيّ هو أن المكر يمحق بأهله قبل غيرهم، بمعنى أن سقوط السقف من فوقهم هو بمثابة من ينظر بوضوح إلى عملية السقوط بنحو يتناسب مع نظره سابقا إلى إحكام البنيان الذي بناه.
وعليه فيوجد توظيف فني لإحكام الربط بين موضوعات السورة التي ستتردد أصداؤها وتتجاوب عمارتها بعضها مع الآخر.
[1] سورة النحل، الآية: 35.
[2] سورة النحل، الآية: 36.
[3] سورة النحل، الآية: 26.
