إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع).. رَائِدُ الْفِكْرِ الْإِنْسَانِيِّ

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع).. رَائِدُ الْفِكْرِ الْإِنْسَانِيِّ

    سَيَبْقَى عَبْرَ التَّارِيخِ مَنَارَةً لِكُلِّ بَاحِثٍ عَنِ الْحَقِيقَةِ. فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ "عِلْمِ الْأَبْدَانِ" وَ"عِلْمِ الْأَدْيَانِ" وَ"عِلْمِ السِّيَاسَةِ وَالِاجْتِمَاعِ"، مِمَّا جَعَلَهُ بِحَقٍّ رَائِداً لِلْفِكْرِ الْإِنْسَانِيِّ الَّذِي لَا يَخْبُو نُورُهُ مَهْمَا تَقَادَمَ الزَّمَنُ. الْفِكْرَ الْعَلَوِيَّ لَيْسَ تُرَاثًا مَاضِيًا، بَلْ هُوَ مَنْهَجٌ حَيٌّ تَحْتَاجُهُ الْبَشَرِيَّةُ الْيَوْمَ لِإِقَامَةِ عَالَمٍ يَقُومُ عَلَى السَّلَامِ وَالْمُسَاوَاةِ...


    أَنْجَبَ الْإِسْلَامُ مُنْذُ بُزُوغِ فَجْرِهِ شَخْصِيَّاتٍ اتَّخَذَتْ عَلَى عَاتِقِهَا الدِّفَاعَ عَنْهُ بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ إِلَى جَانِبِ الدِّفَاعِ عَنْهُ بِالسَّيْفِ وَالْمَالِ وَالْأَوْلَادِ، وَمِنْ هَذِهِ الشَّخْصِيَّاتِ الْإِمَامُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَمِنْ نَافِلَةِ الْقَوْلِ التَّحَدُّثُ عَنْ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ الْعَظِيمَةِ، وَلَكِنْ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ جُلُّهُ، وَحَسْبُنَا نَجْتَهِدُ بِبَيَانِ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ عَلَى قَدْرِ عُقُولِنَا لَا عَلَى قَدْرِهَا الْحَقِيقِيِّ.

    إِذْ تُمَثِّلُ شَخْصِيَّةُ الْإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ظَاهِرَةً فَرِيدَةً فِي تَارِيخِ الْفِكْرِ الْبَشَرِيِّ الَّذي مَلَأَ الدُّنْيَا وَشَغَلَ النَّاسَ؛ فَلَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ قَائِدٍ سِيَاسِيٍّ فَذٍّ أَوْ حَاكِمٍ عَادِلٍ فِي رَعِيَّتِه، بَلْ كَانَ مَنْبَعاً لِلْمَعْرِفَةِ وَمُؤَسِّساً لِعُلُومٍ شَتَّى. إِنَّ وِصْفَهُ بِـ "بَابِ مَدِينَةِ الْعِلْمِ" لَيْسَ مُجَرَّدَ تَوْصِيفٍ عَاطِفِيٍّ، بَلْ هُوَ تَقْرِيرٌ لِحَقِيقَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ أَكَّدَهَا الرَّسُولُ الْأَكْرَمُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَجَسَّدَتْهَا سِيرَةُ الْإِمَامِ الْعِلْمِيَّةُ والعَمَلِيَّة، وَلِبَيَانِ هَذَا الأَمْر نُشِيْرُ إِلَى بَعْضِ مَحَطَّاتِ الأَمِيْرِ الحَيَاتِيَّةِ لِتَثْبِيْتِ ذَلِكَ، عَلَى سَبِيْلِ المِثَالِ لا الحَصْرِ:


    التَّأْصِيلُ النَّبَوِيُّ لِمَكَانَتِهِ الْعِلْمِيَّةِ


    اسْتَقَى الْإِمَامُ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عُلُومَهُ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ، حَيْثُ نَشَأَ فِي حِجْرِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) مُنْذُ نُعُوْمَةِ أَظْفَارِهِ، فَكَانَ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَى فَهْمِ مَقَاصِدِ التَّنْزِيلِ وَمَدَارِكِ التَّأْوِيْلِ، مُسْتَبْعِدَاً عَمَّا قِيْل، فَصَقَلَ النَّبِيُّ الْأَكْرَمُ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةَ الْفَذَّةَ وَأَعَدَّهَا إِعْدَادًا كَامِلًا لِكَيْ تَقُومَ مَقَامَهُ، لِأَنَّ الْمَدِينَةَ لَا تُوصَلُ إِلَّا بِالنَّبِيِّ أَوْ بِهِ (صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا)، حَتَّى قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي اتِّبَاعِهِ لِلنَّبِيِّ الْأَكْرَمِ: "كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ إِثْرَ أُمِّهِ". فَقَالَ الرَّسُولِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): "أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا، فَمَنْ أَرَادَ الْمَدِينَةَ فَلْيَأْتِ الْبَابَ».


    مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَبَابُهَا


    لَقَدْ وَضَعَ الرَّسُولُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) الْقَاعِدَةَ الأَسَاسِيَّةَ لِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الْمَكَانَةِ حِينَ قَالَ: "أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا، فَمَنْ أَرَادَ الْمَدِينَةَ فَلْيَأْتِ الْبَابَ». حَيْثُ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِتْيَانِ مِنَ الْبَابِ، وَلَا يَجُوزُ التَّسَوُّرُ أَوِ الْأَخْذُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَدْعَاةٌ لِلتِّيهِ وَالضَّلَالِ، وَهَذَا النَّصُّ النَّبَوِيُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَدْحٍ، بَلْ هُوَ تَوْجِيهٌ مَعْرِفِيٌّ لِلأُمَّةِ بِأَنَّ الطَّرِيقَ الْأَوْحَدَ لِلْوُصُولِ إِلَى مَعِينِ الْعِلْمِ النَّبَوِيِّ الصَّافِي يَمُرُّ عَبْرَ هَذَا الْبَابِ الَّذِي هُوَ الإمَامُ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلَامُ).

    الْمُلَازَمَةُ التَّامَّةُ وَالْوِعَاءُ الْوَاعِي


    إنْطِلَاقَاً مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}{آل عمران/31}، فَالاتِّبَاعُ يَسْتَوْجِبُ المَحَبَّةَ التَّامَّةَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، ولَمْ يَكُنْ الإِمَامُ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مُجَرَّدَ صَحَابِيٍّ أَوْ كَوْنَهُ قَرِيْبٍ مِنَ النَّبِيِّ العَظِيْمِ فِي النَّسَبِ، بَلْ كَانَ ظِلَّ النَّبِيِّ الَّذِي لَا يُفَارِقُهُ. وَقَدْ وَصَفَ الإِمَامُ هَذِهِ الْعَلَاقَةَ بِقَوْلِهِ آنِفُ الذِّكْرِ: "وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ"، هَذِهِ الْمُلَازَمَةُ أَتَاحَتْ لَهُ تَلَقِّيَ الْعُلُومِ فِي أَوْقَاتٍ لَا يَتَهَيَّأُ فِيهَا لِغَيْرِهِ، فَكَانَ يَسْأَلُ إِذَا سَكَتَ النَّبِيُّ، وَيُجِيبُهُ النَّبِيُّ إِذَا سَأَلَ، حَتَّى قَالَ فِيهِ الرَّسُولُ: "إِنَّ عَلِيًّا أُعْطِيَ أُذُنًا وَاعِيَةً"، مُشِيرَاً بِذلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ }{الحاقة/12}.


    الْأَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ


    تَجَلَّى التَّأْصِيلُ النَّبَوِيُّ فِي رَبْطِ الإِمَامِ عَلِيٍّ بِالْقُرْآنِ رِبَاطًا وُجُودِيًّا، حَيْثُ قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): "عَلِيٌّ مَعَ الْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ مَعَ عَلِيٍّ، لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ"، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ فَهْمَ الإِمَامِ لِلْكِتَابِ لَيْسَ فَهْمًا سَطْحِيًّا، بَلْ هُوَ فَهْمٌ لِمَقَاصِدِهِ، وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَتَنْزِيلِهِ وَتَأْوِيلِهِ، لأنَّهُ فِي بَيْتِهِ نَزَلَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ وَفِي عِتْرَتِهِ وُرِث.


    الْقَضَاءُ وَالْحِكْمَةُ


    إِنَّ شَهَادَةَ النَّبِيِّ الأَكْرمِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لِلإِمَامِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِقَوْلِهِ: "أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ"، هِيَ شَهَادَةٌ بِتَفَوُّقِهِ فِي أَدَقِّ فُرُوعِ الْعِلْمِ التَّطْبِيقِيِّ، وَهُوَ الْقَضَاءُ الَّذِي يَتَطَلَّبُ إِحَاطَةً بِالْأَحْكَامِ وَقُدْرَةً عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ. كَمَا دَعَا لَهُ النَّبِيُّ بِقَوْلِهِ: "اللَّهُمَّ اهْدِ قَلْبَهُ وَثَبِّتْ لِسَانَهُ" فَكَانَ كَلَامُهُ مَنْبَعًا لِلْحِكْمَةِ وَالْبَلَاغَةِ، هَذَا الْحَدِيثُ يُشِيرُ إِلَى "الْحَصْرِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ أَيْ أَنَّ الطَّرِيقَ الْأَصِيلَ لِفَهْمِ الْإِسْلَامِ وَعُلُومِهِ يَمُرُّ حَتْماً عَبْرَ مَدْرَسَةِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لِمَا يَمْتَلِكُهُ مِنْ دِقَّةٍ وَاسْتِيعَابٍ لِأَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ.


    رِيَادَتُهُ لِلْعُلُومِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ


    يُعَدُّ الْإِمَامُ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الْمُؤَسِّسَ الْحَقِيقِيَّ لِكَثِيرٍ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي نَضَجَتْ لَاحِقاً:

    1- عِلْمُ النَّحْوِ: هُوَ مَنْ وَضَعَ لَبِنَاتِهِ الْأُولَى حِينَ أَمَلَّ عَلَى "أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ" قَوَاعِدَ تَقْسِيمِ الْكَلَامِ (اسْمٌ، وَفِعْلٌ، وَحَرْفٌ) لِحِمَايَةِ الْقُرْآنِ مِنَ اللَّحْنِ.

    2- عِلْمُ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ الْإِلَهِيَّةِ: تَزْخَرُ خُطَبُهُ فِي "نَهْجِ الْبَلَاغَةِ" بِأَعْمَقِ الطُّرُوحَاتِ حَوْلَ التَّوْحِيدِ وَذَاتِ اللهِ وَصِفَاتِهِ، مِمَّا جَعَلَهُ مَرْجِعاً لِلْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ.

    3- عِلْمُ الْقَضَاءِ: اشْتُهِرَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): «أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ»، وَمَا زَالَتْ أَقْضِيَتُهُ تُدَرَّسُ كَنَمَاذِجَ لِلذَّكَاءِ الْقَانُونِيِّ وَالْعَدَالَةِ الْمُطْلَقَةِ.


    مَعْرِفَةُ الهِجَاءِ


    جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَعِنْدَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ لَهُ: مَا الْفَائِدَةُ فِي حُرُوفِ الْهِجَاءِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) لِعَلِيٍّ: أَجِبْهُ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَسَدِّدْهُ.

    فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا مِنْ حَرْفٍ إِلَّا وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الْأَلِفُ فَاللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ،

    وَأَمَّا الْبَاءُ فَبَاقٍ بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ،

    وَأَمَّا التَّاءُ فَتَوَّابٌ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ،

    وَأَمَّا الثَّاءُ فَالثَّابِتُ الْكَائِنُ يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ،

    وَأَمَّا الْجِيمُ فَجَلَّ ثَنَاؤُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ،

    وَأَمَّا الْحَاءُ فَحَقٌّ حَيٌّ حَلِيمٌ،

    وَأَمَّا الْخَاءُ فَخَبِيرٌ بِمَا يَعْمَلُ الْعِبَادُ،

    وَأَمَّا الدَّالُ فَدَيَّانُ يَوْمِ الدِّينِ،

    وَأَمَّا الذَّالُ فَذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ،

    وَأَمَّا الرَّاءُ فَرَؤُوفٌ بِعِبَادِهِ،

    وَأَمَّا الزَّايُ فَزَيْنُ الْمَعْبُودِينَ،

    وَأَمَّا السِّينُ فَالسَّمِيعُ الْبَصِيرُ،

    وَأَمَّا الشِّينُ فَالشَّاكِرُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ،

    وَأَمَّا الصَّادُ فَصَادِقٌ فِي وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ،

    وَأَمَّا الضَّادُ فَالضَّارُّ النَّافِعُ،

    وَأَمَّا الطَّاءُ فَالطَّاهِرُ الْمُطَهَّرُ،

    وَأَمَّا الظَّاءُ فَالظَّاهِرُ الْمُظْهِرُ لِآيَاتِهِ،

    وَأَمَّا الْعَيْنُ فَعَالِمٌ بِعِبَادِهِ،

    وَأَمَّا الْغَيْنُ فَغِيَاثُ الْمُسْتَغِيثِينَ،

    وَأَمَّا الْفَاءُ فَفَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى،

    وَأَمَّا الْقَافُ فَقَادِرٌ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ،

    وَأَمَّا الْكَافُ فَالْكَافِي الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ وَلَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ،

    وَأَمَّا اللَّامُ فَلَطِيفٌ بِعِبَادِهِ،

    وَأَمَّا الْمِيمُ فَمَالِكُ الْمُلْكِ،

    وَأَمَّا النُّونُ فَنُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ نُورِ عَرْشِهِ،

    وَأَمَّا الْهَاءُ فَهَادٍ لِخَلْقِهِ،

    وَأَمَّا الْوَاوُ فَوَاحِدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ،

    وَأَمَّا اللَّامُ فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ،

    وَأَمَّا الْيَاءُ فَيَدُ اللهِ بَاسِطَةٌ عَلَى خَلْقِهِ.

    فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ): "هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي رَضِيَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَفْسِهِ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ"، فَأَسْلَمَ الْيَهُودِيُّ. وَقالَ الرَّسُولِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) أَنَّهُ قَالَ فِي عِلْمِ وَمَعْرِفَةِ الْإِمَامِ عَلِيٍّ: "أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا فَمَنْ أَرَادَ الْعِلْمَ فَلْيَأْتِهِ مِنْ بَابِهِ" و"عَلِيٌّ بَابُ عِلْمِي وَمُبَيِّنٌ لِأُمَّتِي مَا أُرْسِلْتُ بِهِ".


    رَائِدُ الْفِكْرِ الْإِنْسَانِيِّ وَحُقُوقِ الْإنْسَانِ


    تُمَثِّلُ شَخْصِيَّةُ الْإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) نُقْطَةَ ارْتِكَازٍ جَوْهَرِيَّةً فِي تَارِيخِ الْفِكْرِ الْإِنْسَانِيِّ؛ فَلَمْ يَكُنْ رَجُلَ دَوْلَةٍ أَوْ قَائِدًا عَسْكَرِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ فَيْلَسُوفَ الْعَدَالَةِ وَمُؤَصِّلَ قِيَمِ الْحُرِّيَّةِ وَالْكَرَامَةِ الْبَشَرِيَّةِ قَبْلَ صُدُورِ الْمَوَاثِيقِ الدَّوْلِيَّةِ بِقُرُونٍ مَتَاوِلَةٍ. الْكَرَامَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ كَمَبْدَأٍ كَوْنِيٍّ


    لَقَدْ صَاغَ الْإِمَامُ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الدُّسْتُورَ الْأَسْمَى لِلْعَلَاقَاتِ الْبَشَرِيَّةِ فِي عَهْدِهِ لِمَالِكٍ الْأَشْتَرِ، حِينَ أَرْسَى قَاعِدَةً ذَهَبِيَّةً تَقُولُ: "فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ". هَذِهِ الرُّؤْيَةُ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْأَدْيَانِ وَالْأَعْرَاقِ لِتَجْعَلَ مِنَ "الْإِنْسَانِيَّةِ" فِي حَدِّ ذَاتِهَا عِلَّةً لِلِاحْتِرَامِ وَصَوْنِ الْحُقُوقِ، وهَذِهِ الْمَقُولَةُ تُعَدُّ تَقْرِيراً سَابِقاً لِكُلِّ مَوَاثِيقِ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ الْحَدِيثَةِ، حَيْثُ جَعَلَ "الْبَشَرِيَّةَ" عِلَّةً كَافِيَةً لِلِاحْتِرَامِ وَالْعَدْلِ، بَعِيداً عَنِ الِانْتِمَاءَاتِ الضَّيِّقَةِ.. الْعَدَالَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ وَتَوْزِيعُ الثَّرْوَاتِ


    آمَنَ الْإِمَامُ أَنَّ الْفَقْرَ لَيْسَ قَدَرًا مَحْتُومًا، بَلْ هُوَ نَتِيجَةٌ لِسُوءِ التَّدْبِيرِ وَالِاسْتِئْثَارِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ: "مَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ". وَقَدْ طَبَّقَ هَذَا الْفِكْرَ عَمَلِيًّا مِنْ خِلَالِ الْمُسَاوَاةِ التَّامَّةِ فِي الْعَطَاءِ، حَيْثُ رَفَضَ التَّمْيِيزَ الطَّبَقِيَّ أَوْ الْقَبَلِيَّ، مُعِيدًا لِلْمَالِ الْعَامِّ وَظِيفَتَهُ الِاجْتِمَاعِيَّةَ فِي خِدْمَةِ الْمَحْرُومِينَ.


    حُرِّيَّةُ التَّعْبِيرِ وَالْمُعَارَضَةِ


    سَجَّلَ التَّارِيخُ لِلْإِمَامِ عَلِيٍّ مَوْقِفًا فَرِيدًا فِي التَّسَامُحِ مَعَ خُصُومِهِ السِّيَاسِيِّينَ؛ فَلَمْ يَقْطَعْ عَنْهُمُ الْعَطَاءَ، وَلَمْ يَبْدَأْهُمْ بِقِتَالٍ، وَأَعْطَاهُمُ الْحَقَّ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ آرَائِهِمْ مَا لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى الْعُنْفِ. وَهَذَا يُمَثِّلُ ذُرْوَةَ الْفِكْرِ الدِّيمُقْرَاطِيِّ الرَّصِينِ الَّذِي يَحْمِي حَقَّ الِاخْتِلَافِ.


    حُقُوقُ الْمَرْأَةِ وَالطِّفْلِ وَالضُّعَفَاءِ


    كَانَتْ وَصَايَاهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) تُمَثِّلُ سِيَاجًا حَامِيًا لِلْفِئَاتِ الْأَكْثَرِ هَشَاشَةً، فَأَوْصَى بِالْمَرْأَةِ خَيْرًا، وَشَدَّدَ عَلَى رِعَايَةِ الْأَيْتَامِ، وَحَثَّ عَلَى الرِّفْقِ بِالْأَسْرَى، مُؤَكِّدًا أَنَّ مِعْيَارَ رُقِيِّ الْأُمَمِ هُوَ مَدَى حِمَايَتِهَا لِضُعَفَائِهَا. ولَمْ يَنْحَصِرْ فِكْرُ الْإِمَامِ فِي الدَّائِرَةِ الدِّينِيَّةِ الضَّيِّقَةِ، بَلْ مَدَّ جُسُوراً نَحْوَ الْإِنْسَانِيَّةِ جَمْعَاءَ. الْبَلَاغَةُ كَأَدَاةٍ لِلتَّغْيِيرِ الْفِكْرِيِّ


    يُمَثِّلُ كِتَابُ "نَهْجِ الْبَلَاغَةِ" ذِرْوَةَ الْعَطَاءِ الْأَدَبِيِّ وَالْفِكْرِيِّ بَعْدَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. فَلَمْ تَكُنْ بَلَاغَتُهُ لِمُجَرَّدِ الزِّينَةِ اللَّفْظِيَّةِ، بَلْ كَانَتْ بَلَاغَةً "رِسَالِيَّةً" تَهْدِفُ إِلَى تَنْوِيرِ الْعُقُولِ وَتَهْذِيبِ النُّفُوسِ وَبِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ الرَّصِينِ.


    الخُلَاصَةُ


    1- إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) سَيَبْقَى عَبْرَ التَّارِيخِ مَنَارَةً لِكُلِّ بَاحِثٍ عَنِ الْحَقِيقَةِ. فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ "عِلْمِ الْأَبْدَانِ" وَ"عِلْمِ الْأَدْيَانِ" وَ"عِلْمِ السِّيَاسَةِ وَالِاجْتِمَاعِ"، مِمَّا جَعَلَهُ بِحَقٍّ رَائِداً لِلْفِكْرِ الْإِنْسَانِيِّ الَّذِي لَا يَخْبُو نُورُهُ مَهْمَا تَقَادَمَ الزَّمَنُ.

    2- إِنَّ مَكَانَةَ الإِمَامِ عَلِيٍّ الْعِلْمِيَّةَ حَقِيقَةً شَرَعِيَّةً أَرْسَى دَعَائِمَهَا الْوَحْيُ، وَصَدَّقَهَا الْوَاقِعُ بِاعْتِرَافِ الصَّحَابَةِ جَمِيعًا الَّذِينَ كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ فِي الْمُعْضِلَاتِ قَائِلِينَ: «لَا أَبْقَانِي اللهُ لِمُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو الْحَسَنِ».

    3- إِنَّ الْفِكْرَ الْعَلَوِيَّ لَيْسَ تُرَاثًا مَاضِيًا، بَلْ هُوَ مَنْهَجٌ حَيٌّ تَحْتَاجُهُ الْبَشَرِيَّةُ الْيَوْمَ لِإِقَامَةِ عَالَمٍ يَقُومُ عَلَى السَّلَامِ وَالْمُسَاوَاةِ. لَقَدْ اسْتَحَقَّ بِجَدَارَةٍ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ "صَوْتُ الْعَدَالَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ"، وَأَنْ تَبْقَى كَلِمَاتُهُ مَنَارَةً لِكُلِّ مَنْ يَنْشُدُ الْحَقَّ وَالْحُرِّيَّةَ. *
    ........................................

    الْمَصَادِرُ

    1) الْحَاكِمُ النَّيْسَابُورِيُّ، الْمُسْتَدْرَكُ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ، ج 3، ص 126.

    2) السُّيُوطِيُّ، جَلَالُ الدِّينِ، تَارِيخُ الْخُلَفَاءِ، ص 166 (فَصْلُ ابْتِكَارِ عِلْمِ النَّحْوِ).

    3) ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ الْمُعْتَزِلِيُّ، شَرْحُ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ، الْمُجَلَّدُ الْأَوَّلُ (الْمُقَدِّمَةُ فِي فَضَائِلِهِ الْعِلْمِيَّةِ).

    4) الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ، نَهْجُ الْبَلَاغَةِ، الْكِتَابُ رَقْمُ 53 (رَسَائِلُ الْإِمَامِ إِلَى عُمَّالِهِ).

    5) شُبَّرُ، جَوَادٌ، الْإِمَامُ عَلِيٌّ وَالْفِكْرُ الْبَشَرِيُّ، دَارُ الْأَضْوَاءِ.

    6) الشِيْرَازِيُ، مُحَمَّدُ الحُسَيْنِيُّ، شَرِح نَهْجُ الْبَلَاغَةِ، ص

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
يعمل...
X