بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾[1].
﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ..﴾، السجود بمعنى الانقياد فهو ينقاد انقيادا يعمّ الانقياد لإرادته وتأثيره طبعا، والانقياد لتكليفه وأمره طوعا، ليصحّ إسناده إلى عامّة أهل السماوات والأرض.
و ﴿مَا﴾، هنا تشمل الكائنات، أرضا وسماء وما فيهما وما بينهما، و ﴿مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، هو من ذكر الخاص الساجد في بعدية بعد العام في بعده الكوني، ف ﴿مِن دَابَّةٍ﴾، تعم الإنس والجان وكل دواب الأرض والسماء، سواء أكانت تدب على ارض أم تسبح في ماء، فهو بيان لما في السماوات والأرض جميعا، لأنّ الدبيب هو الحركة الجسمانيّة، سواء كان في أرض أو سماء.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾، تستغرق كل ملك في الأرض أو السماء، وهذه من الآيات المصرحة أن في السماوات دواب كما في الأرض، ولا تشمل الطير والملائكة، حيث الدابة ما تدب دائبا وهما لا يدبّان إلاّ أحيانا، فهو عطف على المبيّن به عطف جبرئيل على الملائكة للتعظيم، أو عطف المجرّدات على الجسمانيّات، وبه احتجّ من قال: إنّ الملائكة أرواح مجرّدة، أو بيان ل ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾، ويراد ب ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، الملائكة الساكنة فيها.
وحينئذ ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾، تكرير لما في السماوات، وتعيين له إجلالا وتعظيما، فإنّهم أعبد الخلائق.
أو المراد بها ملائكتها من الحفظة وغيرهم.
﴿وَمَا﴾، لمّا استعمل للعقلاء كما استعمل لغيرهم، كان استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق ﴿مِن﴾، تغليبا للعقلاء.
والسجدة المحلقة على كل الكائنات هي سجدة الأفعال والصفات والذوات طوعا وكرها، مهمّا تخلّف جموع من الجنة والناس اختياريا، فإنهم هم المعنيون بذلك التذكير التنديد الشديد، لكي ينتبهوا عن غفلتهم، ويفيقوا عن غفوتهم حين يرون الكون كله مسجدا فسيحا فصيحا في ذلك الحشد الهائل، مشهد عجيب رهيب من الأشياء بظلالها والدواب كلها والملائكة ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
وقد تعني ﴿مَا﴾، هنا بعض الدواب لمكان ﴿مِن دَابَّةٍ﴾، وكل الملائكة لمكان ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾، ف ﴿مِن دَابَّةٍ﴾، هنا تبعيض، وفي الاوّل جنس، تبعيضا حيث المقصود هنا البعد الثاني من السجدة وهو الاختيارية، فكثير من الدواب تسجد للّٰه عن شعور واختيار، ومنها مؤمنو الانس والجن على قلتهم وسائر الدواب هي الاكثرية الساحقة بين الكل في سجودها للّٰه، إذا فالتعبير ب ﴿مَا﴾، دون ﴿مِن﴾، لمكان الدواب غير الانس والجان فإنها غير ذوات العقول.
فيا أيها الإنسان الغفلان النسيان، لماذا هذا الاستكبار والاستدبار عن طاعة اللّٰه الملك القهار؟ وقال أمير المؤمنين عليه السلام بهذا الخصوص في خطبة له: ((ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ اَلسَّمَوَاتِ اَلْعُلاَ فَمَلَأَهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلاَئِكَتِهِ مِنْهُمْ سُجُودٌ لاَ يَرْكَعُونَ وَرُكُوعٌ لاَ يَنْتَصِبُونَ وَصَافُّونَ لاَ يَتَزَايَلُونَ وَمُسَبِّحُونَ لاَ يَسْأَمُونَ لاَ يَغْشَاهُمْ نَوْمُ اَلْعُيُونِ وَلاَ سَهْوُ اَلْعُقُولِ وَلاَ فَتْرَةُ اَلْأَبْدَانِ وَلاَ غَفْلَةُ اَلنِّسْيَانِ وَمِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ وَأَلْسِنَةٌ إِلَى رُسُلِهِ وَمُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَأَمْرِهِ وَمِنْهُمُ اَلْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ وَاَلسَّدَنَةُ لِأَبْوَابِ جِنَانِهِ وَمِنْهُمُ اَلثَّابِتَةُ فِي اَلْأَرَضِينَ اَلسُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ وَاَلْمَارِقَةُ مِنَ اَلسَّمَاءِ اَلْعُلْيَا أَعْنَاقُهُمْ وَاَلْخَارِجَةُ مِنَ اَلْأَقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ وَاَلْمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ اَلْعَرْشِ أَكْتَافُهُمْ نَاكِسَةٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ اَلْعِزَّةِ وَأَسْتَارُ اَلْقُدْرَةِ لاَ يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَّصْوِيرِ وَلاَ يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفَاتِ اَلْمَصْنُوعِينَ وَلاَ يَحُدُّونَهُ بِالْأَمَاكِنِ وَلاَ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالنَّظَائِرِ))[2].
ثم ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، تنفي عنهم تطلّب الكبرياء الخاصة بربهم من فوقهم، فهو يختلف عن التكبر، فاللّٰه متكبر كبير، يظهر الكبرياء الكائنة لذاته المقدسة قولا وفعلا، وليس مستكبرا يطلب الكبرياء، إذ لا تنقصها ذاته ولا صفاته وأفعاله فكيف يطلب.
فالاستكبار مذموم على أية حال لأنه طلب ما لا يعنيه ولا يمكن لاختصاصه باللّٰه، والتكبر منه ممدوح كما للّٰه، والتكبر مع المتكبر فإنه عبادة للّٰه ومنه مذموم وهو التظاهر بكبرياء ليست له، سواء أكانت له ممكنة كالكبرياء الممكنة، أم مستحيلة ككبرياء الربوبية المستحيلة للمربوبين.
﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، قد تعم طلب الكبرياء الممكنة التي لمن فوقهم كالرسول محمد (صلى اللّٰه عليه وآله) كما الاستكبار على اللّٰه.
[1] سورة النحل، الآية: 49.
[2] نهج البلاغة، ص 41.
