بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين.
يقول الإمام زين العابدين﴿؏﴾ في وداع شهر رمضان:
“ثُمَّ قَدْ فَارَقَنَا عِنْدَ تَمَامِ وَقْتِهِ، وَانْقِطَاعِ مُدَّتِهِ، وَوَفَاءِ عَدَدِهِ فَنَحْنُ مُوَدِّعُوهُ وِدَاعَ مَنْ عَزَّ فِرَاقُهُ عَلَيْنَا، وَغَمَّنَا وَأَوْحَشَنَا انْصِرَافُهُ عَنَّا، وَ لَزِمَنَا لَهُ الذِّمَامُ الْمَحْفُوظُ، وَالْحُرْمَةُ الْمَرْعِيَّةُ، وَالْحَقُّ الْمَقْضِيُّ، فَنَحْنُ قَائِلُونَ: “السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا شَهْرَ اللهِ الْأَكْبَرَ، وَيَا عِيدَ أَوْلِيَائِهِ. السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَكْرَمَ مَصْحُوبٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَيَا خَيْرَ شَهْرٍ فِي الْأَيَّامِ وَ السَّاعَاتِ. السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ قَرُبَتْ فِيهِ الْآمَالُ، وَ نُشِرَتْ فِيهِ الْأَعْمَالُ. السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ قَرِينٍ جَلَّ قَدْرُهُ مَوْجُوداً، وَأَفْجَعَ فَقْدُهُ مَفْقُوداً، وَمَرْجُوٍّ آلَمَ فِرَاقُهُ. السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ أَلِيفٍ آنَسَ مُقْبِلًا فَسَرَّ، وَ أَوْحَشَ مُنْقَضِياً فَمَضَّ”.
هناك دلالات في دعاء وداع شهر رمضان المبارك منها :
الدلالة الأولى:
ان شهر رمضان هو أشد من سائر الشهور؛ فهو في الحقيقة مدرك لكونه تنزيل لكرم الله ﷻ وعفو الله ولطفه ومغفرته ﷻ، فشهر رمضان ناطق بصفات الله ﷻ؛ بهذا العفو والمغفرة والفيض الإلهي، وهذا العطاء وهذه النعم الربّانية.
كما أن الداعي وهو الإمام زين العابدين ﴿؏﴾ عندما يودع شهر رمضان هو يخاطبه بكونه موجود مدرك لهذه الناطقية، فمن ذا يمكنه أن يدرك ويسمع ويعلم غير من علمهم الله ﷻ كل منطق ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ النمل:١٦،
يقول أستاذنا الشيخ جوادي آملي:
ليس مجرد منطق الطير تعلمه ﴿الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فهناك من يفهم هذا المنطق، أما منطق كل شيء؛ فهو عليه السلام الذي يفهم تمامًا منطق شهر رمضان المبارك ويدرك نسبة تجليّه وتنزله عن الله ﷻ، ومن ذا يكون سوى الإمام المعصوم ﴿؏﴾،
كما أن شهر رمضان المبارك في المقابل يفهم منطق الإمام ﴿؏﴾، فالكلام يدور بين مدرِك ومدرَك، وهذا المعنى في نفسه صحيح، ولا يخرج على الأقل كونه احتمال وهو ما استفيد من معاني بعض الآيات القرآنية، وهو ما بنى عليه العرفاء والفلاسفة في حقيقة الوجود، وعارضية الماهية وما إلى ذلك من مفاهيم.
وهذه الجامعية في الأوصاف لشهر رمضان لكل معاني الفيض الإلهي والتي قد ذكرها الإمام ﴿؏﴾، ولذا فكل الموجودات تستحق منا نظرة توحيدية فاحصة وهذه من أولويات الفلسفة التي ننتهي بهذه النتيجة :
أنه ليس هناك جامد فالجبال تحسبها جامدة، لا يوجد شيء جماد فكل شيء مدرك ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ النمل: ٨٨.
الدلالة الثانية:
وهي مهمة أيضًا؛ فالداعي عندما يدعو ربه ويخاطبه هو دائمًا وفي المقام الأول يريد أن يرتبط بالله ﷻ، فهو من جهة كونه ربه ، هو من جانب آخر بالنتيجة والمحصلة يريد إيقاع هذا النحو من العلاقة، وإيجاد هذه الحلقة التي تربطه بمربوبه؛ فهو ﷻ ربه ومدبره ومعطيه؛
فهذا التدبير الإلهي يكون بما هو ربه لا بما هو ﷻ إله مطلق لا علاقة ولا شأنية بينه وبين عبده.
هو هذا لسان حال الداعي؛ وهو يخاطبه لحيثية هذه العلاقة وهذا الارتباط والتواصل، لذا فهو يخاطب الكريم الحليم ويعدد من الأسماء الجمالية والجلالية لله ﷻ، وهذه تعد إضافة واعتبار جديد.
فالنقطة المركزية في الدعاء هو في هذا البُعد الربوبي. فالإنسان يحمد الله ﷻ، لكن هذه النكتة وهذا المعنى الذي أريد أن أضيفه هو في الحقيقة حال الدعاء؛ فنحن في الدعاء نعرض ربوبيتنا على الله ﷻ، وقد ندرك هذا المعنى وجدانًا؛
وهو وارد في الأدعية؛ فنحن لا نبكي أو نتفاعل مع الدعاء إلا عندما نخاطب الله ﷻ ونصل إلى جنبة نسبتنا إليه واعتباره ربنا لا باعتباره الإله الخالق والرازق، ولو أنها كلها محامده ﷻ، فهذه أكبر محمدة يذكرها في الله ﷻ.
وهذا ما نجده في دعاء أبي حمزة الثمالي عندما ترتفع درجة الدعاء وتتمركز؛ فهي تتطابق مع ربوبية الله ﷻ :
“الحَمدُ للهِ الَّذي أدعوُهُ فَيُجيبُني وَإن كُنتُ بَطيئاً حينَ يَدعوني، وَالحَمدُ للهِ الَّذي أسألُهُ فَيُعطيني وَإن كُنتُ بَخيلاً حينَ يَستَقرِضُني، وَالحَمدُ للهِ الَّذي أُناديهِ كُلَّما شِئتُ لِحاجَتي وأخلو بِهِ حَيثُ شِئتُ لِسرّي بِغَيرِ شَفيعٍ فَيَقضي لي حاجَتي الحَمدُ للهِ الَّذي لا أدعو غَيرَهُ وَلَو دَعَوتُ غَيرَهُ لَم يَستَجِب لي دُعائي، وَالحَمدُ للهِ الَّذي لا أرجو غَيرَهُ وَلَو رَجَوتُ غَيرَهُ لأخلَفَ رَجائي، وَالحَمدُ للهِ الَّذي وَكَلَني إلَيهِ فَأكرَمَني وَلَم يَكِلني إلى النّاسِ فَيُهينوني”
يقول الحمد لله، ويكرر الحمد لله، ولا يزال يحمد الله وينسب فعل الله ﷻ فيه وإليه؛ فيقول: يُجيبُني، يُعطيني، يَقضي لي حاجَتي، أكرَمَني، إلى أن يبلغ إلى أعلى المحامد يقول “فَرَبِّي أَحْمَدُ شَيْءٍ عِنْدِي وَأَحَقُّ بِحَمْدِي”، ولم يقل الله؛ فالله ﷻ إله الجميع، بل ينسبه إليه فيقول “رَبِّي”، فهو يريد أن يصل إلى هذه العلقة، والتي عندها يبلغ قمة المحامد؛ لأنه يتحدث عن ألصق ربوبية بينه وبين الله ﷻ والتي تتمركز عندها العلاقة الرئيسية، والتي تستحق الحمد والثناء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين.
يقول الإمام زين العابدين﴿؏﴾ في وداع شهر رمضان:
“ثُمَّ قَدْ فَارَقَنَا عِنْدَ تَمَامِ وَقْتِهِ، وَانْقِطَاعِ مُدَّتِهِ، وَوَفَاءِ عَدَدِهِ فَنَحْنُ مُوَدِّعُوهُ وِدَاعَ مَنْ عَزَّ فِرَاقُهُ عَلَيْنَا، وَغَمَّنَا وَأَوْحَشَنَا انْصِرَافُهُ عَنَّا، وَ لَزِمَنَا لَهُ الذِّمَامُ الْمَحْفُوظُ، وَالْحُرْمَةُ الْمَرْعِيَّةُ، وَالْحَقُّ الْمَقْضِيُّ، فَنَحْنُ قَائِلُونَ: “السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا شَهْرَ اللهِ الْأَكْبَرَ، وَيَا عِيدَ أَوْلِيَائِهِ. السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَكْرَمَ مَصْحُوبٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَيَا خَيْرَ شَهْرٍ فِي الْأَيَّامِ وَ السَّاعَاتِ. السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ قَرُبَتْ فِيهِ الْآمَالُ، وَ نُشِرَتْ فِيهِ الْأَعْمَالُ. السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ قَرِينٍ جَلَّ قَدْرُهُ مَوْجُوداً، وَأَفْجَعَ فَقْدُهُ مَفْقُوداً، وَمَرْجُوٍّ آلَمَ فِرَاقُهُ. السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ أَلِيفٍ آنَسَ مُقْبِلًا فَسَرَّ، وَ أَوْحَشَ مُنْقَضِياً فَمَضَّ”.
هناك دلالات في دعاء وداع شهر رمضان المبارك منها :
الدلالة الأولى:
ان شهر رمضان هو أشد من سائر الشهور؛ فهو في الحقيقة مدرك لكونه تنزيل لكرم الله ﷻ وعفو الله ولطفه ومغفرته ﷻ، فشهر رمضان ناطق بصفات الله ﷻ؛ بهذا العفو والمغفرة والفيض الإلهي، وهذا العطاء وهذه النعم الربّانية.
كما أن الداعي وهو الإمام زين العابدين ﴿؏﴾ عندما يودع شهر رمضان هو يخاطبه بكونه موجود مدرك لهذه الناطقية، فمن ذا يمكنه أن يدرك ويسمع ويعلم غير من علمهم الله ﷻ كل منطق ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ النمل:١٦،
يقول أستاذنا الشيخ جوادي آملي:
ليس مجرد منطق الطير تعلمه ﴿الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فهناك من يفهم هذا المنطق، أما منطق كل شيء؛ فهو عليه السلام الذي يفهم تمامًا منطق شهر رمضان المبارك ويدرك نسبة تجليّه وتنزله عن الله ﷻ، ومن ذا يكون سوى الإمام المعصوم ﴿؏﴾،
كما أن شهر رمضان المبارك في المقابل يفهم منطق الإمام ﴿؏﴾، فالكلام يدور بين مدرِك ومدرَك، وهذا المعنى في نفسه صحيح، ولا يخرج على الأقل كونه احتمال وهو ما استفيد من معاني بعض الآيات القرآنية، وهو ما بنى عليه العرفاء والفلاسفة في حقيقة الوجود، وعارضية الماهية وما إلى ذلك من مفاهيم.
وهذه الجامعية في الأوصاف لشهر رمضان لكل معاني الفيض الإلهي والتي قد ذكرها الإمام ﴿؏﴾، ولذا فكل الموجودات تستحق منا نظرة توحيدية فاحصة وهذه من أولويات الفلسفة التي ننتهي بهذه النتيجة :
أنه ليس هناك جامد فالجبال تحسبها جامدة، لا يوجد شيء جماد فكل شيء مدرك ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ النمل: ٨٨.
الدلالة الثانية:
وهي مهمة أيضًا؛ فالداعي عندما يدعو ربه ويخاطبه هو دائمًا وفي المقام الأول يريد أن يرتبط بالله ﷻ، فهو من جهة كونه ربه ، هو من جانب آخر بالنتيجة والمحصلة يريد إيقاع هذا النحو من العلاقة، وإيجاد هذه الحلقة التي تربطه بمربوبه؛ فهو ﷻ ربه ومدبره ومعطيه؛
فهذا التدبير الإلهي يكون بما هو ربه لا بما هو ﷻ إله مطلق لا علاقة ولا شأنية بينه وبين عبده.
هو هذا لسان حال الداعي؛ وهو يخاطبه لحيثية هذه العلاقة وهذا الارتباط والتواصل، لذا فهو يخاطب الكريم الحليم ويعدد من الأسماء الجمالية والجلالية لله ﷻ، وهذه تعد إضافة واعتبار جديد.
فالنقطة المركزية في الدعاء هو في هذا البُعد الربوبي. فالإنسان يحمد الله ﷻ، لكن هذه النكتة وهذا المعنى الذي أريد أن أضيفه هو في الحقيقة حال الدعاء؛ فنحن في الدعاء نعرض ربوبيتنا على الله ﷻ، وقد ندرك هذا المعنى وجدانًا؛
وهو وارد في الأدعية؛ فنحن لا نبكي أو نتفاعل مع الدعاء إلا عندما نخاطب الله ﷻ ونصل إلى جنبة نسبتنا إليه واعتباره ربنا لا باعتباره الإله الخالق والرازق، ولو أنها كلها محامده ﷻ، فهذه أكبر محمدة يذكرها في الله ﷻ.
وهذا ما نجده في دعاء أبي حمزة الثمالي عندما ترتفع درجة الدعاء وتتمركز؛ فهي تتطابق مع ربوبية الله ﷻ :
“الحَمدُ للهِ الَّذي أدعوُهُ فَيُجيبُني وَإن كُنتُ بَطيئاً حينَ يَدعوني، وَالحَمدُ للهِ الَّذي أسألُهُ فَيُعطيني وَإن كُنتُ بَخيلاً حينَ يَستَقرِضُني، وَالحَمدُ للهِ الَّذي أُناديهِ كُلَّما شِئتُ لِحاجَتي وأخلو بِهِ حَيثُ شِئتُ لِسرّي بِغَيرِ شَفيعٍ فَيَقضي لي حاجَتي الحَمدُ للهِ الَّذي لا أدعو غَيرَهُ وَلَو دَعَوتُ غَيرَهُ لَم يَستَجِب لي دُعائي، وَالحَمدُ للهِ الَّذي لا أرجو غَيرَهُ وَلَو رَجَوتُ غَيرَهُ لأخلَفَ رَجائي، وَالحَمدُ للهِ الَّذي وَكَلَني إلَيهِ فَأكرَمَني وَلَم يَكِلني إلى النّاسِ فَيُهينوني”
يقول الحمد لله، ويكرر الحمد لله، ولا يزال يحمد الله وينسب فعل الله ﷻ فيه وإليه؛ فيقول: يُجيبُني، يُعطيني، يَقضي لي حاجَتي، أكرَمَني، إلى أن يبلغ إلى أعلى المحامد يقول “فَرَبِّي أَحْمَدُ شَيْءٍ عِنْدِي وَأَحَقُّ بِحَمْدِي”، ولم يقل الله؛ فالله ﷻ إله الجميع، بل ينسبه إليه فيقول “رَبِّي”، فهو يريد أن يصل إلى هذه العلقة، والتي عندها يبلغ قمة المحامد؛ لأنه يتحدث عن ألصق ربوبية بينه وبين الله ﷻ والتي تتمركز عندها العلاقة الرئيسية، والتي تستحق الحمد والثناء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
