بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ اللهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ۖ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾[1].
﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، أراد الباري عز وجل بذكر الاثنين من الآلهة في مقام النهي عن اتخاذها من باب المثال والمراد النهي عن الشرك بشتّى صوره واشكاله لأن واجب الوجود لا يجوز أن يكون الاّ واحدا فارهبوا ذلك الواحد وخافوه فإن له جميع ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[2]، ولا يجب الدين ولا يثبت ويدوم الاّ له وحده.
وكل مشرك أيا كان، هو في الأصل ثنوي، يختلق إلها آخر أو آلهة إلاّ اللّٰه كما تهواه هواه، من طواغيت وأصنام وأوثان، فالنفس الأمارة بالسوء هي الإله الأصل لكل مشرك، وهي التي تولد آلهة على شاكلتها، فكل إناء بما فيه يرشح، فالنفس ترشّح للألوهية ما يناسبها.
ولأن الكل بحاجة ضرورية الى ما سواه، فلا بد أن يعبد كل من سواه كما تهواه نفسه، أو يهواه عقله وفطرته، فالماشي على صراط مستقيم يوحّد اللّٰه، والماشي مكبا على وجهه يعبد هواه، ويعبد ما تهواه هواه، إذا فكل المشركين ثنويون، كما وكل ملحد ثنوي، والإله الاول لأولاء وهؤلاء هو النفس الأمارة، والثاني سائر الآلهة، سواء أكانت المادة لا سواها فملحد، أو المادة وسواها فمشرك.
فاتخاذ إلهين اثنين يحلّق على الشرك كله، في ذاتية التعدد أم الخالقية أم التدبير أو العبادة، أما ذا من صنوف الإشراك باللّٰه، فلا يخص باتخاذهما معبودين حتى يقال إن المشركين لا يعبدون اللّٰه ضمن ما يعبدون سواه، كما لا يعبدونه موحدين إياه، حيث الإشراك أن يتخذ بجنب اللّٰه إله له ما للّٰه بعضا أو كلا من الألوهية ذاتا وصفات وافعالا: خلقا وتدبيرا، واستحقاقا للعبودية.
فكل إلحاد في اللّٰه أو شرك باللّٰه هو لمن اتخذ إلهه هواه ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ﴾[3]، ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾[4].
واتخاذ الإله هو في مثلث لا سواه توحيدا للّٰه توحيدا لألوهية من سوى اللّٰه اتخاذا لإلهين اثنين، والثاني بين إلحاد في اللّٰه إنكارا لألوهيته، وبين توحيد العبادة لسواه واتخاذه إلها في غيرها، وهذا الثاني هو من ضمن الثالث أن يتخذ إلها مع اللّٰه هواه، فتهوي به الى هوّة العبادة لغير اللّٰه. إذا فالناكرون لوجود اللّٰه، وغير الموحدين للّٰه، هم كلهم ممن اتخذ إلهين اثنين، اللّٰه وهواه.
ثم اتخاذ إلهين اثنين تعم كافة الاتخاذات المشركة الجارفة التي تتنافى وتوحيد اللّٰه في كافة مراتبه ومقتضياته، من شرك خفي كالرياء، أو جلي كسائر الإشراك باللّٰه، أيا كان ذلك الإشراك، ف ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، تناحر كافة دركات الإشراك باللّٰه.
و ﴿هُوَ﴾، هنا مبتدأ لخبر الوحدة في الألوهية، فإما هو راجع إلى ﴿اللهُ﴾، أو ﴿إِلَهٌ﴾، المستفادة من ﴿إِلَهَيْنِ﴾، والواحد متفق عليه، والثاني مختلف فيه أو هو راجع الى الذات الغائبة الهوية المطلقة الإلهية، ف ﴿إِنَّمَا هُوَ﴾، على أي الحالات الثلاث ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، بحقيقة الوحدة ووحدة الحقيقة ﴿فَإِيَّايَ﴾، لا سواي ﴿فَارْهَبُونِ﴾، تفريعان للرهبة الرهيبة الوحيدة، على تلك الوحدة البارعة، رهبة خوف ومهابة إجلال.
أفغير واجب الوجود تخافون وليس ما سواه أهلا لئن يخاف منه وكلّ ما تتمتعون به من نعمة فمن الله المنعم؛ إذ لا منعم سواه وهو الذي إذا مسّكم الضرّ توجهتم اليه ورفعتم أصواتكم مستغيثين به، فإذا انكشف الضرّ عنكم وزال الخوف منكم إذا فريق منكم يعودون الى ما كانوا عليه من الشرك والعصيان والتمرد والطغيان، يفعلون ذلك ليبرزوا كوامنهم وما فيها من خبث ويجحدوا ما آتيناهم من نعمة، فليتمتع هؤلاء بما زوّروه لأنفسهم من حياة حاسبين أنفسهم أنهم من اهل اللياقة واللباقة فسوف يعلمون ما يحلّ بساحتهم من عذاب يتكافأ مع معصيتهم.
أجل، وإن وحدة الالوهية تتطلب وحدة الرهبة هي من الإله الواحد، وفي تقديم ﴿إِيَّايَ﴾، المفعول، على فعلها ﴿فَارْهَبُونِ﴾، دلالة على ذلك الحصر.
[1] سورة النحل، الآية: 51.
[2] سورة النحل، الآية: 52.
[3] سورة الجاثية، الآية: 23.
[4] سورة الفرقان، الآية: 43.
