إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى﴾

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ[1].

    ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم﴾، عند اهل الجاهلية مفهوم وعرف خاطئ وسيء وهو أن الأنثى كما الذكر يبشّر بها، وهم يعتبرون بشراها نذارة فنكارة منها، وذلك رسم لصورة نكرة، بالية نخرة، عن سيرة المشركين من قبل، معاملة سيئة، ونظرة وضيعة إلى البنت المشرقة الوضيئة، خشية العار والفقر، فالفرار عن الفقر والعار بوأد البنات، فإنهن لا يكسبن فيعشن كلاًّ عليهم أو يتزوجن، أو يقعن في السبي عن الغارات فيكسبن العار، سيرة جاهلة قاحلة في تضادات ماحلة، بغض البنات لحد الوأد باسوداد وجه وتوار من القوم، وهم يعبدون نظيراتهن ملائكة اللّٰه زعم أنهن بنات اللّٰه لقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ
    [2]!.
    والذي يعنينا أن نتحدث عن هذه الظاهرة (ظاهرة التعامل الجاهلي مع الأنثى) من حيث انطواؤها على السمة الفنية في صياغة ذلك.
    لقد عبّر المقطع عن استجابة الجاهليّ للمولود الأنثوي بجملةٍ من الصور الفنيّة مثل صورة اسوداد الوجه ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾، وصورة الكظم ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾، وصورة التواري وصورة الإمساك على الذل وصورة الدس في التراب وذلك قوله تعالى: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ
    [3].
    إن هذه الصُور الفنية التي تجمع بين التركيب المباشر وغير المباشر للصورة، تنطوي على أهمية كبيرة في حقل الفن من حيث صلتها بتحديد الاستجابات البشرية الشاذة وصلة ذلك بالفكرة العامة التي تنتظم هيكل السورة، ونعني بها فكرة الشرك وصلة هذه الاستجابات الشاذة بذلك.
    لقد جاءت الصورة الأولى لتقول لنا: إن الجاهلي وهو يجعل لله البنات يظل وجهه مسوداً حينما يُبشَّر بأن المولود له هو أنثى احتبس الروح في باطن القلب فاغبرّ واسودّ وجهه وبشرته وكمد. إن اسوداد الوجه هنا نابعٌ من كونه قائماً على تخيّل مرضيّ بأنّ الأنثى دون الذكر مرتبطة بإرادة السماء، أي خارجاً عن إرادة الشخص، وهو أمرٌ يتسبّب في تأزيم الشخصية وتوترها بنحو بالغ الشدة حيث يجيء اسوداد الوجه تعبيرا ملائما لدرجة التوتر الداخلي لأمثلة هذا الشخص المنحرف. ولا أدل على شدة التوتّر من انعكاس ما هو نفسي على ما هو عضوي أي انعكاس الألم النفسي في التغيّر العضوي للوجه.
    ولعل الصور الفنية التي تتابعت بعد ذلك تفصح لنا عن الانعكاسات المذكورة بشكل واضح، فصورة الكظم وهو كظيم تعبّر عن شدة الحزن والغيظ والحنق الذي يغلّف الشخص وانعكاس ذلك عليه في صورة اسوداد الوجه، كما أن صورة التواري عن القوم ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾، وصورة إمساك الأنثى على ذلك أو دسّها في التراب تعكس النتائج المترتبة على اسوداد الوجه المترتّب بدوره على شدة الحزن.
    إن التواري عن القوم يعكس أشد الحالات المرضيّة عند المنحرف، أنه لا يقوى على مواجهة الحقائق فيهرب منها متوارياً عن الآخرين، كما أن الصراع الذي يحيياه بعد ذلك يعبّر بدوره عن أشد الحالات مرضاً عند المنحرف، فالصراع في اللغة المرضية تعبيرٌ واضح عن توتّر الشخصية وفقدانها للتوازن الداخلي، وعملية الصراع هنا تتمثل في كون المنحرف تتجاذبه قوّتان: الأولى أن يحتفظ بالأنثى وهو ذليلٌ اجتماعيا، والأخرى أن يدفنها في التراب، فالذل الاجتماعي يتعارض مع الحاجة إلى التقدير من الآخرين، كما أن الوأد يتعارض مع الحاجة أو الدافع إلى البنوّة ولا يمكن إنهاء هذا الصراع إلاّ بتوفر الوعي العبادي للشخصية، وهو أمرٌ منعدم لدى الشخصية الجاهلية أو أية شخصية منحرفة منعزلة عن السماء ومبادئها.
    والملاحظ أن انعكاسات ذلك لا تنحصر في عصرٍ خاص بل تمتد إلى مطلق العصور والثقافات، حيث نلحظ الاستجابات الشاذة حيال الأنثى المولودة في الحياة اليومية الحاضرة التي تحياها مجتمعاتنا.
    ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، في ارتكاب هذا الأمر الشنيع وكانوا يفعلون هذا الفعل خوفا من الفقر وخوفا من لحوق العار.


    [1] سورة النحل، الآية: 58.
    [2] سورة النحل، الآية: 57.
    [3] سورة النحل، الآية: 59.

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
يعمل...
X