بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ۚ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾[1].
بيان لحالة من أحوال الإنسان المتعددة والكثيرة اثناء مسيرة حياته، وذلك أنّا نرى أكيس الناس وأكثرهم فهما وعقلا يفني عمره في طلب القدر القليل من المال ولا يتيسّر له ذلك، ونرى أجهل الناس وأقلّهم عقلا تنفتح عليه أبواب الدنيا، وكلّ شيء خطر بباله فإنّه يحصل له في الحال ولو كان السبب جهد الإنسان وعقله لوجب أن يكون الأعقل أغنى وأفضل، لكنّ الأمر ليس كذلك؛
قال الشريف الرضي: بِالجَدِّ لا بِالمَساعي يُبلَغُ الشَرَفُ تَمشي الجُدودُ بِأَقوامٍ وَإِن وَقَفوا
وقال ابن الرواندي: كَمْ عَاقِلٍ عَاقِلٍ أَعْيَتْ مَذَاهِبُهُ وَجَاهِلٍ جَاهِلٍ تَلْقَاهُ مَرْزُوْقًا
كما قال سبحانه: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾، أي: جعلكم متفاوتين في الرزق، فمنكم غنيّ ومنكم فقير، ومنكم موال يتولّون رزقهم ورزق غيرهم، ومنهم مماليك حالهم على خلاف ذلك، وهم بشر مثلكم وإخوانكم، فكان ينبغي أن تردّوا فضل ما رزقتموه عليهم حتّى تتساووا في الملبس والمطعم، قال الشيخ الطبرسي في تفسير الآية: [وَيُحْكَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اَللهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَقُولُ: ((إِنَّمَا هُمْ إِخْوَانُكُمْ فَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَكْسُونَ وَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَطْعَمُونَ فَمَا رُؤِيَ عَبْدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلاَّ وَرِدَاؤُهُ رِدَاؤُهُ وَإِزَارُهُ إِزَارُهُ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ))][2].
فهو الذي زاد الملاّك والسادة والأغنياء رزقا وملكا لحكمة تخفى عليكم، وذلك التفضيل الفضيل في مختلف الرزق هو لحكمة بالغة جماعية بين المرزوقين: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾[3].
و «الرزق» المفضّل فيه بين متصل ومنفصل، من رزق العقل والعلم وجودة الفكر والسلطة الروحية أو الزمنية أو اموال وأولاد وأهلين، ومن رزقهم أنهم يملكون عبيدا وإماء.
وذلك الرزق بين حالات عدة، من ممكنة متمكنة: مسموحة أو ممنوحة أو ممنوعة، وواجبة اصلية أو فرعية، أو مستحيلة ذاتية أو عرضية، ومن المستحيلة تفويض الفضائل النفسية لما ملكت ايمانكم أو سواهم، ومن الممنوعة تخويلهم أهليكم أو تحويلهم لهم، وكذلك إنفاق كلّ أموالكم ﴿.. وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾[4].
قوله: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ﴾، أي بجاعلي ﴿رِزْقِهِمْ﴾، في المعنى قولان: أحدهما أنّ الخلق لا يشركون عبيدهم وأزواجهم في أموالهم حتّى يكونوا سواء، ويرون ذلك نقصا فلا يرضون لأنفسهم هذا الأمر فكيف يشركون عبدي ومخلوقي في ملكي وسلطاني، ويوجّهون العبادة إليهم؟ وكيف أنتم أيّها النصارى تشركون عيسى عبدي معي شريكا في العبادة؟
وقيل: نزلت في نصارى نجران.
والمعنى الثاني أنّ الّذين فضّلهم الله في الرزق من الأحرار لا يرزقون مماليكهم، بل الله رازق المالك والمملوك؛ لأنّ الّذي ينفقه المولى على المملوك إنّما ينفقه ممّا رزقه الله فالله رازقهم جميعا.
﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾، أي المالك والمملوك في ذلك الرزق، ولمّا كان المعطي لكلّ الخيرات والرزق هو الله فمن أثبت شريكا لله فقد أضاف إليه بعض تلك الخيرات فكان جاحدا لكونها من عند الله كما أنّ أهل الطبائع وأهل النجوم يضيفون أكثر هذه النعم إلى الطبائع وإلى النجوم وهذا معنى ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾، إنه فضلهم فيها فيردونها الى مماليكهم؟ أو بنعمة الفطرة والعقل، المتأبية لهذه التسوية الظالمة يجحدون، بحق اللّٰه فقط لا بحق أنفسهم؟ أو بنعمة التوحيد، المدلول عليها بكافة الادلة يجحدون، وبصورة سائرة بنعمة الإنسانية يجحدون، فيسوّون، بين من لا يستوون، ولسوف يعترفون ﴿تَاللهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ* إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[5].
[1] سورة النحل، الآية: 71.
[2] تفسير جوامع الجامع، ج 2، ص 299.
[3] سورة الزخرف، الآية: 32.
[4] سورة الإسراء، الآية: 29.
[5] سورة الشعراء، الآيتان: 79 – 98.
