بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُونَ ۚ الْحَمْدُ لِلّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾[1].
الآية الشريفة والآية التي بعدها تقدمان لنا حالتين إنسانيتين حسب قدرة كل منهما، ففي صورتين تمثيليتين لتعميق الدلالة المذكورة في الأذهان، ونعني بها دلالة التوحيد وما يقابلها من الفكر الوثني الذي يحاول إشراك الحجارة وغيرها في فاعلية الوجود، يقول النص: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا..* وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
يشبه المثال الأوّل المشركين بعبد مملوك لا يستطيع القيام بأية خدمة لمولاه، ويشبه المؤمنين بإِنسان غني، يستفيد الجميع من إِمكانياته، والعبد ليس له قدرة تكوينية لأنّه أسير بين قبضة مولاه ومحدود الحال في كل شيء، وليس له قدرة تشريعية أيضاً لأنّ حق التصرف بأمواله ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ..﴾[2]، وكل ما يتعلق به هو بيد مولاه، وبعبارة أُخرى إنّه: عبد للمخلوق، ولا يعني ذلك إِلاّ الأسر والمحدودية في كل شيء، أمّا ما يقابل ذلك فالإنسان المؤمن الذي يتمتع بأنواع المواهب والرزق الحسن وهو ينفقه في مرضات الله سرا وعلانية.
ثمّ يضرب مثلا آخر لعبدة الأصنام والمؤمنين والصادقين، فيشبه الأوّل بالعبد الأبكم الذي لا يقدر على شيء وهو انسان سلبي، ويشبه الآخر بإِنسان حر يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم.
إنَّ هذين المثلين أو الصورتين التمثيليتين تنطويان على أسرار فنية بالغة الدهشة والجمال حينما نمعن النظر فيهما، فالصورتان تربطان بين فكرة التوحيد والشرك من خلال ظاهرة واحدة هي علاقة الحرّ والعبد من حيث إمكاناتهما المادية والعقلية، ففي الصورة الأولى طرح المقطع إمكانية العبد مادياً فألغاها منها عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وفي الصورة الأخرى طرح إمكانيته العقلية فألغاها أيضاً ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾.
إذاً، الإمكانات المادية التي يمكن أن تجعل الشخص ذا فاعلية في الإنفاق على الغير، والإمكانات العقلية التي يمكن أن تجعل الشخص ذا فاعلية في تمييز طرق الخير، هذه الإمكانات بنمطيها منعدمة لدى المملوك، حينئذٍ كيف يسمح المنحرفون الذين يعون حيناً انعدام الإمكانات المذكورة عند المملوك، كيف يسمحون لأنفسهم وهم مملوكون لله أن يجعلوا لله أنداداً يشاركونه في فاعلية الوجود؟ مع أن الحجر لا يملك وهو في ذلك في مثل المملوك أو أشد افتقاراً منه للفاعليات التي تسمح له بالمشاركة في الرزق أو سواه.
إن المملوك وهو على قدرٍ قليل من فاعلية العقل والتصرف لا يستوي مع الحر في حجم عقله وتصرّفه، فكيف يستوي الحجر الصنم مع الله تعالى مع أن الحجر لا يملك أية فاعلية في نطاق العقل والتصرّف.
ويُلاحَظ، أن المقطع طرح خلال هاتين الصورتين قضيتي الرزق والعقل من خلال رسمٍ خاص هو الإنفاق سراً وجهراً بالنسبة إلى الرزق، والأمر بالعدل والمشي على صراط مستقيم بالنسبة إلى العقل، مما يعني أن مجرد الإمكانية المادية والعقلية لا قيمة لهما إلا إذا وُظّفا من أجل العمل العبادي.
وهذا النمط من صياغة المفهومات بنحوها غير المباشر الذي لاحظناه يُعدّ في قمة الدهشة والجمال الفني، فبدلاً من أن يتحدث المقطعُ مباشرة عن الإمكانات المادية وضرورة استثمارها من خلال الإنفاق سراً وجهراً، وبدلاً من أن يتحدث مباشرة عن الإمكانات العقلية وضرورة استثمارها من خلال الأمر بالعدل والمشي على الصراط المستقيم. بدلاً من أن يتحدث النص عن ذلك بالنحو المباشر، سلك منحىً فنيّاً غير مباشر يجعل القارئ يستكشف بنفسه هذه الدلالة سواء أكان ذلك بوعي منه أو بغير وعي.
المهم، أن مستويات الصياغة الفنية للأفكار المشار إليها قد تمت من خلال بناء عماري متلاحم الجزئيات بسمات الجمال والدهشة، سواء أكان ذلك في نطاق المقطع أو نطاق مقاطع السورة جميعاً.
[1] سورة النحل، الآية: 75.
[2] سورة القلم، الآية: 14.
