بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾[1].
"الأكنان": جمع (كن) بمعنى وسائل التغطية والحفظ، ولهذا فقد أُطلقت على المغارات وأماكن الاختفاء وفي الجبال.
﴿ظِلَالًا﴾، يطلق الظلّ على انعكاس النور، وبما أنّ الظلّ أضعف بسبب الانعكاس، فإنّ الناس يطلقون اسم الظلّ أيضًا على المكان الذي لا يوجد فيه نور، فعندما تسلّط نورًا على مرآة، يُحدث هذا النور انعكاسًا على الجدار ويُسمّى ذلك «ظلًا»، فالظلّ؛ يعني الأثر، المعلول، المسبَّب، فكما يحتاج الإِنسان إِلى النّور في حياته فكثيراً ما يحتاج إِلى الظل كذلك، لأنّ النّور إذا ما استمر في اشراقه فسوف تكون الحياة مستحيلة، ويكفينا أن نلمس ما لظل الكرة الأرضية والمسمى بالليل على حياتنا، وكذلك دور الظلال الأُخرى خلال النهار في مختلف الأمكنة والحالات.
وكأن ذكر نعمة "الظلال" و "أكنان الجبال" بعد ذكر نعمة "المسكن" و"الخيام" في الآية السابقة، للإِشارة إِلى: أنّ طوائف الناس لا تخرج عن إِحدى ثلاثة: -
واحدة تعيش في المدن والقرى وتستفيد من بناء البيوت لسكناها.
وأُخرى تعيش الترحال والتنقل فتحمل معها الخيام.
وثالثة أُولئك الذين يسافرون وليس معهم مستلزمات المأوى.
ولم يترك الباري جل شأنه المجموعة الثّالثة تعيش حالة الحيرة من أمرها، بل في طريقهم الظلال والمغارات لتقيهم.
وقد لا يدرك سكنة المدن ما لوجود المغارات الجبلية من أهمية، ولكنّ عابري الصحارى والمسافرين العزل والرعاة وكل مَنْ حرم من نعمة البيوت الثابتة أو السيارة مؤقتاً أو دائماً عندما يكونون تحت سطوة حرارة الصيف اللاهبة أو تحت وطأة زمهرير الشتاء القارص، سيعرفون عندها أهمية تلك المغارات، وخصوصاً كونها باردة في الصيف ودافئة في الشتاء، وهي ملاذ ينجي من موت قريب في بعض الأحيان للإِنسان أو الحيوانات.
وبعد ذكر نعمة الظلال الطبيعية والصناعية، ينتقل لذكر ملابس الإنسان: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾، وثمّة ألبسة أُخرى تستعمل لحفظ أبدانكم في الحروب ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾.
عن الحاجة المتصلة بالملبس بعد الانتهاء من الحديث عن المسكن فأشار إلى الملبس بنمطيه المدني والعسكري ملفتاً النظر بهذا الاصطناع لنمطي الملبس إلى أهمية الحياة العسكرية بنحوٍ فنّيٍ غير مباشر وَجَعَلَ لَكُمْ ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾.
"السرابيل": جمع سربال (على وزن مثقال)، بمعنى الثوب من أيِّ جنس كان.
وكما هو معلوم، فإِنّ فائدة الألبسة لا تنحصر في حفظ الإنسان من الحر والبرد، بل تُلْبِس الإنسان ثوب الكرامة وتقي بدنه من الأخطار الموجهة إِليه، فلو تعرى الإِنسان لكان أكثر عرضة للجراحات وما شابهها، واستناد الآية المباركة على الخاصية الأُولى دون غيرها لأهميتها المميزة، ولعل ذكر خصوص الحر في الآية جاء تماشياً مع ما شاع في لغة العرب من ذكر أحد المتضادين اختصاراً، فيكون الثّاني واضحاً بقرينة وجود الأوّل، أو لأنّ المنطقة التي نزل فيها القرآن الكريم كان دفع الحرِّ فيها ذا أهمية بالغة عند أهلها.
وثمّة احتمال آخر: أنْ يكون ذلك بلحاظ خطورة الإِصابة بمرض ضربة الشمس المعروفة، وبتعبير آخر: إِنّ تحمل الإِنسان لحر أشعة الشمس الشديدة أقل من تحمله ومقاومته للبرد، لأنّ حرارة البدن الداخلية يمكن لها أن تعين الإِنسان على تحمل البرودة لحد ما.
والمهم، أن الآية وهي تتحدث عن المعطيات المذكورة إنما تصل بينها وبين الهدف العبادي من خلق الإنسان وهو فكرة السورة بنحو عام حيث تحوم الموضوعات المختلفة عليها.
يقول المقطع معقباً على النِعَم المذكورة ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ..﴾، حينئذٍ نتوقع ألا يُسلم غالبية الناس وأن يجنحوا إلى المغالطة والمجادلة والمخاصمة في القول، وهذا ما أوضحه المقطع الذي نتحدث عنه حيث يقول تعقيباً على نِعَم الله التي ينبغي أن تقتاد الشخص إلى تقديرها ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾[2].
إذاً، فسردُ هذه النعم مستهدف أساساً حيث إن توفيرها للإنسان ينبغي أن يقتاده إلى أن (يُسلم) لله تعالى.
[1] سورة النحل، الآية: 81.
[2] سورة النحل، الآية: 83.
