بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾[1].
إن جميع أفراد البشر من أي أمة كانوا، وإلى أي عنصر انتموا يدركون بصورة فطرية ضرورة الوفاء بالعهد وقبح نقض العهد، كل فرد يدرك أنه إذا تعاهد مع شخص آخر فهو ملزم بأن يفي به، فلو تخلف عنه كان قد ارتكب خطأ، ويحس في ضميره الباطن بالخجل والندم. وكذلك إذا كان قد تعاهد معه شخص فإنه ينتظر بصورة طبيعية أن يفي له بالوعد، فلو تخلف عن ذلك فإنه يحس بأن ذلك الشخص قد ارتكب فعلا قبيحاً.
فالثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع تمثل أهم دعائم رسوخ المجتمع، بل من دعائم تشكيل المجتمع وإِخراجه من حالة الآحاد المتفرقة وإِعطائه صفة التجمع، وبالإِضافة لكون أصل الثقة المتبادلة يعتبر السند القويم للقيام بالفعاليات الاجتماعية والتعاون على مستوى واسع.
والعهد والقسم من مؤكدات حفظ هذا الارتباط وهذه الثقة، وإِذا تصورنا مجتمعاً كان نقض العهد فيه هو السائد، فمعنى ذلك انعدام الثقة بشكل عام في ذلك المجتمع، وعندها سوف يتحول المجتمع الى آحاد متناثرة تفتقد الارتباط والقدرة والفاعلية الاجتماعية.
ولهذا نجد أنّ الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة تؤكّد باهتمام بالغ على مسألة الوفاء بالعهد والأيمان، وتعتبر نقضها من كبائر الذنوب.
وقد أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) إِلى أهمية هذا الموضوع في الإِسلام والجاهلية واعتبره من أهم المواضيع في قوله عند عهده لمالك الأشتر ((وإنْ عَقَدتَ بينَك وبين عدوّك عقدة، أو ألبستَه منك ذِمّة. فَحُطْ عهدَك بالوفاء، وارعَ ذمّتَك بالأمانة، واجعَلْ نفسَك جُنّةً دون ما أعطيت؛ فإنّه ليس من فرائض الله شيءٌ الناسُ أشدُّ عليه اجتماعاً مع تفرّق أهوائهم وتشتّت آرائهم مِن تعظيم الوفاء بالعهود. وقد لَزِم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لِما استَوبَلوا (أي: كرهوا) من عواقب الغدر. فلا تَغدِرَنّ بذمّتك، ولا تَخيسَنَّ (أي: لا تَخُنْ) بعهدك، ولا تَختِلَنَّ عدوَّك))[2].
ونجد في أحكام الحرب الإِسلامية أنّ إعطاء الأمان من قبل فرد واحد من جيش المسلمين لشخص أو كتيبة من كتائب العدو يوجب مراعاة ذلك على كل المسلمين!
وقد اكد ذلك الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) في احاديثهم الشريفة، فعَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عَلَيْهِ السَّلام) قَالَ: ((قُلْتُ لَهُ مَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ قَالَ لَوْ أَنَّ جَيْشاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَاصَرُوا قَوْماً مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأَشْرَفَ رَجُلٌ فَقَالَ أَعْطُونِي الأمَانَ حَتَّى أَلْقَى صَاحِبَكُمْ وَأُنَاظِرَهُ فَأَعْطَاهُ أَدْنَاهُمُ الأمَانَ وَجَبَ عَلَى أَفْضَلِهِمُ الْوَفَاءُ بِهِ))[3].
يقول المؤرخون والمفسّرون: من جملة الأُمور التي جعلت الكثير من الناس في صدر الإِسلام يعتنقون هذا الدين الإِلهي العظيم هو التزام المسلمين الراسخ بالعهود والمواثيق ورعايتهم لأيمانهم.
وما لهذا الأمر من أهمية بحيث دفع سلمان الفارسي لأنْ يقول: (تهلك هذه الأُمّة بنقض مواثيقها)[4].
أيْ أنّ الوفاء بالعهد والميثاق كما أنّه يوجب القدرة والنعمة والتقدم، فنقضهما يؤدي إِلى الضعف والعجز والهلاك.
إِنّ قبح نقض العهد الشناعة بحيث لا احداً على استعداد لأن يتحمل مسؤوليته بصراحة إلاّ النادر من الناس حتى أن ناقض العهد يلتمس لذلك اعذاراً وتبريرات مهما كانت واهية لتبرير فعلته، فبعض المسلمين يتذرعون بحجج واهية ككثرة الأعداء وقلة المؤمنين للتنصل من عهودهم مع الله والنّبي (صلى الله عليه وآله) فتكون مواقفهم متزلزلة، في حين أنّ الأكثرية من حيث العدد لا تمثل القدرة والقوة في واقع الحال، وانتصار القلّة المؤمنة على الكثرة غير المؤمنة من الشواهد المعروفة في تأريخ البشرية، ثمّ إِنّ حصول القدرة والقوة للأعداء على فرض حصولها لا تسوغ لأن تكون مبرراً مقبولا لنقض العهد، ولو دققنا النظر في الإمر لرأينا في واقعه أنّه نوع من الشرك والجهل بالله عزَّوجلّ.
[1] سورة النحل، الآية: 91.
[2] نهج البلاغة، ج 3، ص 106.
[3] وسائل الشيعة، ج 11، ص 49.
[4] تفسير مجمع البيان، ج 6، ص 383.
