مجلس استشهاد الامام الصادق (ع)
25 شوال
.
.
حُزْنِي عَلَى جَعْفَرٍ قَدْ أَرَّقَ الْفِكْرَا
بَكَيْتُهُ بِدُمُوعٍ أَلْهَبَتْ صَدْرَا
ظُلْمًا أَذَاقُوا إِمَامَ الصِّدْقِ بُغْضَهُمُ
بِمِلْءِ كَاسَاتِ صَبْرٍ أُشْبِعَتْ مُرَّا
لَاقَى مِنَ الظَّالِمِ الْمَنْصُورِ شِدَّتَهُ
حِقْدًا وَلَمْ يَرَ فِي أَرْجَائِهِ نَصْرَا
وَأَبْعَدُوهُ عَنِ الْأَجْدَادِ فِي حَنَقٍ
وَأَرْغَمُوهُ بِجَوْرٍ يَتْرُكُ الْمِصْرَا
طَافَتْ عَلَيْهِ جَوَاسِيسٌ تُرَاقِبُهُ
فَأَبْعَدُوا النَّاسَ عَنْ أَرْجَائِهِ دَهْرَا
يُؤْتَى بِهِ بَغْتَةً مِنْ بَيْتِهِ وَلِكَيْ
يُسَبَّ ظُلْمًا أَمَامَ النَّاسِ كَيْ يُفْرَا
وَأَضْرَمُوا النَّارَ فِي بَيْتِ الْإِمَامِ-
وَأَهْلُهُ بِدَاخِلِهِ قَدْ عُذِّبُوا قَهْرَا
لَهْفِي عَلَيْهِ وَقَدْ دَسُّوا لَهُ غُصَصَا
فِي شَرْبَةٍ لَيْتَهَا لَمْ تَأْخُذِ الْعُمْرَا
بِقَتْلِهِ سَقَطَتْ مِنْ آلِ أَحْمَدَ-
بِضْعَةٌ وَسَالَتْ دُمُوعِي عِنْدَهُ نَهْرَا
لَمْ يَنْظُرُوا قُرْبَهُ مِنْ جَدِّهِ شَرَفًا
فِي هَدْمِ قُبَّتِهِ وَالْقَبْرِ وَالْمَسْرَى
**
اجت تمشي ابحزن والضلع مكسور وعلى الخدين مدمعها تسيله
اسمعت مات ابنها وجت اله اتزور لفت بحزانها فاطم نحيله
الصادق مات يا كرار مأجور لقبره راح أو يتم إلى العيله
لفاه ابنه وشافه دمعه منثور ابحزن ناداه ريض فرد ليله
على الدنيا العفى ما شي للقبور او تضل الروح من بعدك عليله
وصارت عيلته اتدق لجله لصدور تصيح ابصوت ياهو النلتجي له
بس اعياله ما فرت للبرور ولا ظل عالترب جثه جديله
حسين اعلى الثرى ضل عاري منحور يشكي العطش مابلوا غليله
ضل مرمي ومشى السجاد مأسور او مشت زينب على الناقه الهزيله
ماكو امصاب ايعادل يوم عاشور يومه حسين ما يوجد مثيله
..
حال زوار الصادق ..
للصادق تجي الزوار لكن ما تدل قبره
متلهفة او تجيه ابشوق وتترجى فرد نظره
لكن من تجيه اتصير في وسط القلب حسره
لا قبه اله وسباج حسافه ولا اله حضره
قبر واتحوطه الاحجار حسره ياعلي حسره
لا له صحن نقعد فيه نزوره ندعي او نقره
****
نشأ الإمام الصادق (ع) وتربى في بيت من اعظم البيوت،ورافق جده زين العابدين (ع) الدائب على عبادة الله الصائم نهاره والقائم ليله،ورآه وهو يحمل في عتمة الليل الجراب المليئة بالأطعمة والنقود لينفقها على الفقراء،ويحمل الماء للعجرة والضعفاء وهم لايعرفونه،فأخذ عن جده الإيمان والتقوى والجود،ومن بعد جده رعاه ابيه الإمام الباقر (ع) وكان يحضر دروس ابيه وهو صبي صغير،فتفوق على تلامذة ابيه الذين كانوا من كبار العلماء وفي سن الشيخوخة،فكان الإمام الصادق (ع) معجزة اهل زمانه في العلم والحكمة ،واصبح بيته كالجامعة يحضر دروسه الألوف من طلاب العلم منهم الكبير والصغير،ومع كل هذا كان التواضع وحسن الخلق والصبر من مميزاته سلام الله عليه،وكان مضرب المثل للبِرِّ بأبيه ويقول : إن سكرات الموت يخففها الله على كل من كان بارَّاً بوالديه .وقد بلغ من عظم اخلاقه ماروي : ان رجلاً من الحُجاج توهَّم ان صرة نقوده قد ضاعت فراح يفتش عنها ودخل المسجد النبوي فرأى الإمام الصادق (ع) يصلي فتعلق به ولم يعرفه وقال له : أنت أخذت همياني (أي كيس النقود) .فقابله الإمام (ع) باللطف والرفق وقال له : ماكان فيه ؟ .قال : ألف دينار .فأعطاه الإمام (ع) ألف دينار،ومضى الرجل الى منزله فوجد هميانه،فأسرع نحو الإمام (ع) معتذراً ومعه المال،فأبى الإمام ان يأخذه وقال له : شيء خرج من يدي فلايعود إلي . وبهر الرجل وراح يسأل عن الإمام فقيل له : هذا جعفر الصادق .فقال بإعجاب : لاجرم هذا فِعلُ مثله (أي لاعجب ان صدر هذا الفعل من امثاله) .
ويحكي داوود الرقي وهو من اصحاب الإمام الصادق (ع)،عن رجل جاء الى ابي عبد الله (ع) يستخبره عن مبلغ علمه فقال للإمام : مابَلَغ من علمكم ؟ (أي الى أي مدى علمكم) .فقال له الإمام (ع) : مابَلَغ من سؤالكم ؟ (أي الى أي مدى صعوبة سؤالك لتستكثر علينا ان نعرف وندرك جوابه) .قال الرجل : هذا بحر هل تحته شيء ؟ .فقال ابو عبد الله (ع) : رأى العين أحب اليك أم سمع الأذنين ؟ .فقال الرجل : بل رأى العين لأن الأذن قد تسمع مالاتدري ومالاتعرف ،وماترى العين يشهد به القلب .فأخذ (ع) بيد الرجل ثم انطلقوا الى شاطيء البحر فقال (ع) مخاطباً البحر : أيها العبد المطيع لربه أظهر مافيك .فانفلق البحر عن آخر مافيه،وظهر ماء أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأطيب رائحة من المسك وألذ من الزنجبيل، فقال الرجل للإمام : يا ابا عبد الله جُعلت فداك لمن هذا ؟ .قال (ع) : هذا للقائم واصحابه .قال الرجل : متى ؟.قال (ع) : إذا قام القائم واصحابه نفذ الماء الذي على وجه الأرض حتى لايوجد ماء فتضج المؤمنون بالدعاء،فيبعث الله لهم هذا الماء فيشربونه،وهو محرَّم على من خالفهم .ثم رفع الرجل رأسه فرأى في الهواء خيلاً مُسرَجة مُلجَمة ولها اجنحة فقال : يا ابا عبد الله ماهذه الخيل ؟ .فقال (ع) : هذه خيل القائم واصحابه .قال الرجل : فأركب شيئاً منها ؟ .قال (ع) : إن كنت من انصاره .قال الرجل : وأشرب من هذا الماء ؟ .قال (ع) : إن كنت من شيعته .
وبهذا أيقن الرجل برُأَى العين ان الإمام عالم بمافي أعماق البحر،ومطلع على كل ماسيجري في آخر الزمان،وجواب الإمام (ع) على قدر سؤال الرجل،وإلا فإن علمهم سلام الله عليهم لايقتصر على هذه الأمور فقط،ولاينتهي عند حد،فهم خزان العلم والحكمة،وهم نبع الخير والبركة والنور أينما حلُّوا،فلقد كان سلام الله عليه كسائر آباءه والصفوة المنتجبين من ذريته،ملجأ ودليل لكل حائر ومحتاج ومكروب،فقد قصده يوماً رجل فقال له : جعلت فداك ان ابي مات وكان من انصَب الناس،فبلغ من نصبه وعداوته أن كتم ماله عني في حياته وبعد وفاته،ولست اشك انه ترك مالاً كثيراً .فتختَّمَ له ابو عبد الله (ع) خاتماً (أي البسه خاتم) وقال له : اذهب بهذا الخاتم الى بَرَهوت فإن روحه صارت الى بَرَهوت .وسمّى له صاحب برهوت (أي أعلمه باسم صاحب برهوت) ثم قال (ع) له : نادي صاحب برهوت بإسمه ثلاث مرات فإنه سيجيبك .فأتى الرجل برهوت فنادى صاحبه بإسمه ثلاث مرات فأجابه في الثالثة : لبيك .وظهر له صاحب برهوت فناوله الرجل الطينة،فأخذها وقبَّلها ووضعها على عينيه ثم قال له : جئت من عند من فضَّله الله وأمر بطاعته ماحاجتك ؟ .قال الرجل : فأخبرته (أي اخبره بحاجته الى ابيه) .فقال له صاحب برهوت : إنه يجيئك في غير صورته . فتصور الأب في صورة خبيثة قال الرجل : فماشعرت اذ هو قد جائني والسلاسل في عنقه فقال : يابني .وبكي فعرفته حين تكلم قلت له : قد كنت اقول لك وانهاك عما كنت فيه .فقال لي : حصلت على الشقاء ثم قال لي : سل حاجتك قلت : حاجتي المال .فقال لي : قد خلَّفته في المسجد الذي كنت تراني اصلي فيه،احفر حتى تبلغ ذراعين او ثلاثة فإن فيه اربعة ألاف .
وبهذا فرَّج الإمام الصادق (ع) شدة الرجل،وسهَّل سبيله،ولم يكن احد غيره وقتها كفؤ لحل هذه المعضلة وغيرها،وفضائله (ع) وكراماته اكثر من ان نحصيها،واكبر من ان ينكرها او يجحدها الجاحدون،لكن بالرغم من ذلك هناك من أضلهم الشيطان واعماهم،يقول علي ابن ابي حمزة : حججت مع الصادق (ع) فجلسنا في بعض الطريق تحت نخلة يابسة،فحرك (ع) شفتيه بدعاء لم افهمه ثم قال : يانخلة أطعمينا مما جعل الله فيك من رزق عباده .قال ابن ابي حمزة : فنظرت الى النخلة وقد تمايلت نحو الصادق (ع) اوراقها وعليها الرطب .فقال (ع) : ادنُ وسمِّ وكُل .فأكلت منها رطباً أعذب رطب وأطيبه،فإذا نحن بإعرابي يقول : ما رأيت كاليوم سحراً أعظم من هذا .فقال الصادق (ع) له : نحن ورثة الأنبياء ليس فينا ساحر ولاكاهن،بل ندعو الله فيجيبنا،فإن أحببت ان ادعو الله فيمسخك كلباً،تهتدي منزلك وتدخل عليهم وتبصبص لأهلك .قال
الأعرابي بجهله : بلى (أي افعل وقصد بذلك ان يتحدى الإمام منكراً عليه قدرته على ذلك) فدعا الإمام (ع) الله بدعاء لم يُحجَب،فصار كلباً في وقته،ومضى على وجهه ،فقال لي الصادق (ع) : اتبعه .فتبعته حتى صار الى حيِّه،فدخل الى منزله فجعل يبصبص لأهله وولده،فأخذوا له عصى واخرجوه،فانصرفت الى الصادق (ع) فاخبرته بما كان منه،فبينما نحن في حديثه إذ أقبل حتى وقف بين يدي الصادق (ع)،وجعلت دموعه تسيل على خديه،واقبل يتمرغ في التراب ويعوي،فرحمه (ع) وهم سلام الله عليهم اهل العفو والرحمة،فدعا الله له فعاد الى حالته الأولى فقال الصادق (ع) له : هل آمنت يا إعرابي ؟ .قال الإعرابي : نعم ألفاً وألفاً (أي انه ايقن تمام اليقين بقدر الإمام ومنزلته عند الله سبحانه).وكل هذه المعاجز والكمالات للإمام الصادق (ع) وغيرها،لم يكن يشهدها في اغلب الأوقات الا الموالين لآل بيت رسول الله
(ص)،لأن بني امية وبني العباس ليس من صالحهم ان ينتشر لآل البيت فضل او مكرمة،فيعلو قدرهم عند الناس،وتقوى صلتهم بالناس،ويزداد ايمانهم بهم.
عن داوود الرقي قال : ان ابا عبد الله (ع)أمر غلامه ان يسرج حماره فركب وخرجنا معه (وكان معهم المفضل ورجل من بلخ) حتى برزنا الى الصحراء،ومضينا حتى انتهينا الى جُبٍ بعيد القعر (أي عميق جداً)،وليس فيه ماء فقال البلخي : اسقنا من هذا الجب فإن هذا جب بعيد وليس فيه ماء .فدنا اليه (ع) وقال : ايها الجب السامع المطيع لربه اسقنا مماجعل الله فيك .قال داوود : فوالله لقد رأينا الماء يغلي غلياناً حتى ارتفع على وجه الارض وشرب وشربنا .فقال داوود والمفضل : جعلنا الله فداك وماهذا،وإنما هذا أشبَهَ فيكم كشبه موسى بن عمران (أي ان هذه المعجزة تشبه معجزة النبي موسى (ع) حين ضرب الصخرة فانفجرت منها العيون فسقى قومه) .فقال (ع) : رحمكم الله تعالى .ثم مضى ومضينا معه حتى انتهينا الى نخلة يابسة لاسعف لها فقال الرجل البلخي : يا ابا عبد الله أطعمنا من هذه النخلة .فدنا (ع) الى النخلة وقال : أيتها النخلة الباسقة المطيعة لربها أطعمينا مما جعل الله فيك .قال المفضل : فأَنثَرَت علينا رطباً كثيراً فأكل وأكلنا معه .قال المفضل وداوود الرقي : جعلنا الله فداك ماهذا ؟ إنما يشبه فيكم كشبه مريم (أي ان هذه المعجزة تشبه معجزة السيدة مريم وتساقط الرطب الجني عليها وقت الولادة) .فقال (ع) : رحمكم الله تعالى .ثم مضى ومضينا معه حتى انتهينا الى ظبي،فوقف الظبي قريباً منه يُنَغِّّم ويُحرك ذنبه .فقال ابو عبد الله (ع) : أَفعل إن شاء الله تعالى .ثم اقبل (ع) وقال : هل علمتم ماقال الظبي ؟.قلنا : الله ورسوله وابن رسوله اعلم .فقال (ع) : إنه أتاني فأخبر أن بعض أهل المدينة نصب لأُنثاه الشِِرْكة فأخذها،ولها خشفان لم ينهضا ولم يقويا للرعي،فسألني ان أسألهم أن يخلُّو عنها،وضمن أنها إذا أرضعت خشفيها حتى يقويا أن تَرُدَّ عليهم فاستحلفته فقال : برئت من ولايتكم أهل البيت إن لم أُوفِ ذلك،وأنا فاعل إن شاء الله تعالى .قال المفضل وداوود : يشبه فيكم ذلك كشبه سليمان بن داوود (إي إن هذه المعجزة وهي تكليمه الظبي
تشبه معجزة النبي سليمان في معرفته لمنطق الطير والوحش وغيره) .فقال (ع) : رحمكم الله تعالى .وانصرف وانصرفنا معه فلما انتهى الى باب داره تلا (ع) هذه الآية : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ .قال (ع) : نحن والله الناس الذين ذكرهم الله في هذا المكان ونحن المحسودون .ثم اقبل علينا فقال: رحمكم الله تعالى اكتموا علينا ولاتذيعوه إلا عند أهله (أي لايخبروا بما رأوا من معاجزه إلا لموالي آل البيت) فإن المذيع علينا أشد مؤنة من عدونا .انصرفوا رحمكم الله .
يقول موسى ابن جعفر الكاظم (ع) : كنت عند ابي عبد الله (ع) ذات يوم وانا طفل خماسي (أي عمره خمس سنوات) إذ دخل عليه نفر من اليهود فقالوا : أنت ابن محمد نبي هذه الأمة والحجة على اهل الأرض ؟ .قال لهم : نعم .قالوا : إنا نجد في التوراة أن الله تبارك وتعالى آتى ابراهيم (ع) وولده الكتاب والحكمة والنبوة،وجعل لهم الملك والإمامة،وهكذا وجدنا ذرية الأنبياء لاتتعداهم النبوة والخلافة والوصية فمابالكم قد تعداكم ذلك ؟ وثبت في غيركم،ونلقاكم مستضعفين مقهورين لاتُرقَب فيكم ذمة نبيكم ؟! (أي ان كل الانبياء والاوصياء من قبل،ورَّوثوا النبوة او الوصاية لمن بعدهم فلم يغتصبها منهم احد،عدا انتم اهل البيت لم تثبت فيكم الخلافة ولا الإمامة بل
اغتُصَِبت منكم،ولم تُرَاعى حرمة رسول الله فيكم وانتم ابناءه فلماذا !!) .فدمعت عينا ابي عبد الله (ع) ثم قال: نعم لم تزل انبياء الله مضطهدة مقهورة مقتولة بغير حق،والظلمة غالبة، وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (أي ان قولكم أيها اليهود خاطيء فكل الانبياء كُذِّبوا وظُلِموا واستُضعِفوا وقُتِلوا بغير حق،علماً بأن اليهود هم اكثر الأقوام التي آذت وقتلت انبياءها،ونحن حجج الله نرى في هذا البلاء نعمة نشكر الله عليها، وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ .فأهل البيت هم المقصودون بهذه الآية،فهم من لم يقصروا في الشكر لله تعالى في السراء والضراء) .
والإمام الصادق (ع) شأنه شأن آبائه الطاهرين كان همه الأول هو المحافظة على دين جده (ص)،والسعي في نشره بين الناس،وبالرغم من محاربته ومحاصرته من قِبَل أعداء أهل البيت (ع)،إلا أنه كان له بعض المجال في نشر علومه ومعارفه،فكان له الفضل في تأسيس وتثبيت المذهب الشيعي،وذلك لانشغال بني العباس (لع) بالقضاء على بني أمية (لع) وتثبيت حكمهم،فبعد نهاية الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية كان السفاح يدَّعي الولاء لأهل البيت (ع)،فأخذ يعامل الصادق (ع) باللين،وكان مجبراً على ذلك،حيث كان الناس يدفعون للدولة اموال الخمس والزكاه والخراج،فتدفع الدولة رواتب عمالها وموظفيها من هذه الأموال،اما الإمام الصادق واصحابه فكانوا بعيدين عن هذه الجماعة المنتفعة بالأموال،حيث كانوا يأدون الخمس والزكاه الى الإمام فينفقها في وجوهها،وكان يغيظه ان الإمام بعيد عن سلطته
وتحكمه،فكان يستدعيه مراراً لمعاتبته او التقرب منه،دون أن يجرؤ على ايذائه في العلن،لئلا تعرف الناس حقيقة موقفه من اهل البيت فتنقلب عليه وتزعزع حكمه،لأن الناس ثارت مع بني العباس ضد بني امية،وسلمتهم الحكم على اساس حبهم ومناصرتهم لأهل البيت (ع)،ولما حل المنصور (لع) محل اخيه السفاح ظل يتعامل مع الإمام بالإحترام الشديد في البداية،وكان هدفه ان يجعل الإمام تحت تصرفه،لكن الإمام (ع) لم يستجب له وحذَّر اصحابه منه ومن اتباعه،وحين لم يجد المنصور (لع) سبيل الى الإمام صار يعمل على مضايقة اصحابه وتشتيت جموعهم،وكان يدس رجاله بين تلامذة الإمام فيقوموا بنشر الروايات المزورة ضد اهل البيت (ع)،كما بنى المنصور (لع) مدارس تعارض مدارس الإمام (ع)،وكان يكثر من استدعاء الإمام (ع) اليه بين وقت وآخر فيعاتبه حيناً ويهدده حيناً آخر،وهو في قرارة نفسه يتمنى لو يقتله بيده،لكن لعدم قدرته أخذ يعتقل اصحابه ويعذبهم،ولكن كان همه الكبير أن يتخلص من الإمام الصادق (ع)،وقد روي عن المنصور (لع) قوله : كنت كلما هممت بقتله يتراءى لي وجه رسول الله فيغمرني الخوف وتعجز يدي عن الحركة .
شتت شملهم وامتلت منهم اسجونه
كم شيخ بطباق السجن لاقى منونه
كلهم قضى اعليهم او قرت له عيونه
أخلا منازلهم او فرقهم بلمصار
او جعفر يشوف او يسمع الضجة بلبيوت
ويشوفهم فوق الهزل يمشون للموت
تجري دموعه والقلب بالحزن مفتوت
ماضي حكمهم بالإعدام صغار وكبار
ولم يزل المنصور (لع) يغتنم الفرص ويدبر المكائد،ويضيِّق على الإمام (ع) ويوقعه في المحذور،وقد ارسل في طلبه مراراً وعزم على قتله سرَّاً وجهاراً،لكن الله سبحانه كان يصرف عنه شره وبلاه،فمن مكائده التي نجاه الله منها انه وجه الى واليه على الحرمين : ان أحرق على جعفر ابن محمد داره .فالقى النار في دار ابي عبدالله (ع)،فأخذت النار في الباب والدهليز،فخرج ابو عبد الله (ع) يتخطى النار ويمشي فيها دون ان يصيبه أذاها ويقول : انا ابن أعراق الثرى انا ابن ابراهيم خليل الله (ع) .(اشارة منه (ع) الى ان النار كانت برداً وسلاماً على ابيه ابراهيم (ع)) .
فلم تغمض للملعون عين،ولا استقر له قرار حتى شاء القدر فسهَّل اليه تحقيق نيته الدنيئة،فلما احب الله تعالى شهادة وليه،وحضر وقته واحب
لقاءه،مكَّن عدوه منه فدس اليه سماً نقيعاً في عنب ورمان،فلما ذاقه الإمام (ع) وجد كأن من فيه الى سرته من يقطعه بالسكاكين او يشرحه بالمواسي،فصرخ الإمام : واجداه وامحمداه واعلياه وافاطماه واحسناه واحسيناه .فلم يُسمع الا صارخ وصارخة كل ينادي : وامسموماه
وامظلوماه . وارتفع الضجيج والبكاء من منزله،وداروا حوله وهو يجود بنفسه الشريفة نفسي له الفداء،أُمر اليه بطشت فأتوه به،فانحنى عليه بأبي وأمي وروحي وصار يتقيأ كبده قطعة بعد قطعة،وبقي ايام طريح الفراش يعالج السموم وقد اخضر جسده،واهله واصحابه وشيعته من حوله يأنون لمصابه،وقد اثقلهم الحزن والألم لم آل اليه سيدهم وإمامهم العظيم ابن خير البرية،ولما اشتد حاله وايقن بانتهاء اجله اوصى ولده الكاظم بكفالة اهله واولاده والفقراء والمساكين واكمال مسيرته الجهادية في سبيل الله،كان ابنه الكاظم (ع) جالساً عنده واضعاً رأسه في حجره وهو يبكي،فالتفت اليه وقال له : يابني ليس هذا وقت بكاء وتعزية وإنما هو وقت الوصية وقد حضرتني المنية،وقَرُبَ الحُمام الذي لابد منه،المكتوب على جباه الأنام،حان الفراق يابني .وجعل يوصيه بما هو أهله ويودعه علمه وأمره،نص على ابنه بالإمامة واسر اليه تلك الوصاية واظهرها،واشهد عليها جملة من الأوصياء والأعداء،
آجركم الله فبينما هو يوصيهم إذ عرق جبينه وسكن انينه وشخص بعينه في وجوه اهل بيته وقال : استودعكم الله خير المستودع وأقرأ عليكم السلام .ثم اسبل يديه ومد رجليه واغمض عينيه وتشهد وقرأ سورة يس والواقعة فلما ختمها فاضت روحه الطاهرة المقدسة،فضجوا اهله ضجة واحدة بالنداء واللطم والعويل والنياح،تزلزلت الحجرة بمن فيها الكل ينادي : وااماماه واسيداه وامصيبتاه،وماجت ارض المدينة باهلها،خرجت المخدارت من خدورها واوطانها معولات لاطمات للخدود كلٌّ تنادي : وااماماه .وخرجت المساكين والايتام ينادون : واضيعتاه وامحنتاه واقلة ناصراه .واما الإمام باب الحوائج فنادي : واطول حزناه بعدك يا ابتاه واحسرتاه من بعدك يا ابتاه وانقطاع ظهراه .أخذ في جهاز والده فغسله وحنطه وكفنه كما امره،وحمل جنازته الى البقيع وعيناه تهملان دموعاً فدفنه الى جوار ابيه وعمه :
الله اكبر يالها نكبة من الجور
اصبح إمام الكون بالسم قلبه مفطور
عاجله دهره والسبب وسفة المنصور
قطَّع بسمه كل كبود الهاشميين
ثوروا ياساميين الفخر شوفوا ولدكم
قلبه تقطع يرتجي يوصل فزعكم
ماهو نصف يكرام ما اتفزعون كلكم
للممتحن عالج يويلي غصة البين
ولنه السميدع سكن يا وسفة ونينه
أسبل اياديه او غمض للموت عينه
رجليه مدها ياخلق وأعرق جبينه
او فارق الى الدنيا سلالة آل ياسين
ثم ان الإمام باب الحوائج موسى ابن جعفر عظم الله له الأجر صار يبكي بقلب محترق ينادي :
صارت الصيحة من اهل بيته ولعويل
او موسى يغسل والده ودموعه تسيل
او نادى دقوموا ودعوه او صاحوا بالويل
في اوداعة الله ياشبل خير الوصيين
واجتمعت العالم على نعشه او شالوه
او جده قضى بالطف او جو له بخيل داسوه
او راسه على العسال للشامات ودوه
ليزيد ومنه الدم يجري على الخدين
**
25 شوال
.
.
حُزْنِي عَلَى جَعْفَرٍ قَدْ أَرَّقَ الْفِكْرَا
بَكَيْتُهُ بِدُمُوعٍ أَلْهَبَتْ صَدْرَا
ظُلْمًا أَذَاقُوا إِمَامَ الصِّدْقِ بُغْضَهُمُ
بِمِلْءِ كَاسَاتِ صَبْرٍ أُشْبِعَتْ مُرَّا
لَاقَى مِنَ الظَّالِمِ الْمَنْصُورِ شِدَّتَهُ
حِقْدًا وَلَمْ يَرَ فِي أَرْجَائِهِ نَصْرَا
وَأَبْعَدُوهُ عَنِ الْأَجْدَادِ فِي حَنَقٍ
وَأَرْغَمُوهُ بِجَوْرٍ يَتْرُكُ الْمِصْرَا
طَافَتْ عَلَيْهِ جَوَاسِيسٌ تُرَاقِبُهُ
فَأَبْعَدُوا النَّاسَ عَنْ أَرْجَائِهِ دَهْرَا
يُؤْتَى بِهِ بَغْتَةً مِنْ بَيْتِهِ وَلِكَيْ
يُسَبَّ ظُلْمًا أَمَامَ النَّاسِ كَيْ يُفْرَا
وَأَضْرَمُوا النَّارَ فِي بَيْتِ الْإِمَامِ-
وَأَهْلُهُ بِدَاخِلِهِ قَدْ عُذِّبُوا قَهْرَا
لَهْفِي عَلَيْهِ وَقَدْ دَسُّوا لَهُ غُصَصَا
فِي شَرْبَةٍ لَيْتَهَا لَمْ تَأْخُذِ الْعُمْرَا
بِقَتْلِهِ سَقَطَتْ مِنْ آلِ أَحْمَدَ-
بِضْعَةٌ وَسَالَتْ دُمُوعِي عِنْدَهُ نَهْرَا
لَمْ يَنْظُرُوا قُرْبَهُ مِنْ جَدِّهِ شَرَفًا
فِي هَدْمِ قُبَّتِهِ وَالْقَبْرِ وَالْمَسْرَى
**
اجت تمشي ابحزن والضلع مكسور وعلى الخدين مدمعها تسيله
اسمعت مات ابنها وجت اله اتزور لفت بحزانها فاطم نحيله
الصادق مات يا كرار مأجور لقبره راح أو يتم إلى العيله
لفاه ابنه وشافه دمعه منثور ابحزن ناداه ريض فرد ليله
على الدنيا العفى ما شي للقبور او تضل الروح من بعدك عليله
وصارت عيلته اتدق لجله لصدور تصيح ابصوت ياهو النلتجي له
بس اعياله ما فرت للبرور ولا ظل عالترب جثه جديله
حسين اعلى الثرى ضل عاري منحور يشكي العطش مابلوا غليله
ضل مرمي ومشى السجاد مأسور او مشت زينب على الناقه الهزيله
ماكو امصاب ايعادل يوم عاشور يومه حسين ما يوجد مثيله
..
حال زوار الصادق ..
للصادق تجي الزوار لكن ما تدل قبره
متلهفة او تجيه ابشوق وتترجى فرد نظره
لكن من تجيه اتصير في وسط القلب حسره
لا قبه اله وسباج حسافه ولا اله حضره
قبر واتحوطه الاحجار حسره ياعلي حسره
لا له صحن نقعد فيه نزوره ندعي او نقره
****
نشأ الإمام الصادق (ع) وتربى في بيت من اعظم البيوت،ورافق جده زين العابدين (ع) الدائب على عبادة الله الصائم نهاره والقائم ليله،ورآه وهو يحمل في عتمة الليل الجراب المليئة بالأطعمة والنقود لينفقها على الفقراء،ويحمل الماء للعجرة والضعفاء وهم لايعرفونه،فأخذ عن جده الإيمان والتقوى والجود،ومن بعد جده رعاه ابيه الإمام الباقر (ع) وكان يحضر دروس ابيه وهو صبي صغير،فتفوق على تلامذة ابيه الذين كانوا من كبار العلماء وفي سن الشيخوخة،فكان الإمام الصادق (ع) معجزة اهل زمانه في العلم والحكمة ،واصبح بيته كالجامعة يحضر دروسه الألوف من طلاب العلم منهم الكبير والصغير،ومع كل هذا كان التواضع وحسن الخلق والصبر من مميزاته سلام الله عليه،وكان مضرب المثل للبِرِّ بأبيه ويقول : إن سكرات الموت يخففها الله على كل من كان بارَّاً بوالديه .وقد بلغ من عظم اخلاقه ماروي : ان رجلاً من الحُجاج توهَّم ان صرة نقوده قد ضاعت فراح يفتش عنها ودخل المسجد النبوي فرأى الإمام الصادق (ع) يصلي فتعلق به ولم يعرفه وقال له : أنت أخذت همياني (أي كيس النقود) .فقابله الإمام (ع) باللطف والرفق وقال له : ماكان فيه ؟ .قال : ألف دينار .فأعطاه الإمام (ع) ألف دينار،ومضى الرجل الى منزله فوجد هميانه،فأسرع نحو الإمام (ع) معتذراً ومعه المال،فأبى الإمام ان يأخذه وقال له : شيء خرج من يدي فلايعود إلي . وبهر الرجل وراح يسأل عن الإمام فقيل له : هذا جعفر الصادق .فقال بإعجاب : لاجرم هذا فِعلُ مثله (أي لاعجب ان صدر هذا الفعل من امثاله) .
ويحكي داوود الرقي وهو من اصحاب الإمام الصادق (ع)،عن رجل جاء الى ابي عبد الله (ع) يستخبره عن مبلغ علمه فقال للإمام : مابَلَغ من علمكم ؟ (أي الى أي مدى علمكم) .فقال له الإمام (ع) : مابَلَغ من سؤالكم ؟ (أي الى أي مدى صعوبة سؤالك لتستكثر علينا ان نعرف وندرك جوابه) .قال الرجل : هذا بحر هل تحته شيء ؟ .فقال ابو عبد الله (ع) : رأى العين أحب اليك أم سمع الأذنين ؟ .فقال الرجل : بل رأى العين لأن الأذن قد تسمع مالاتدري ومالاتعرف ،وماترى العين يشهد به القلب .فأخذ (ع) بيد الرجل ثم انطلقوا الى شاطيء البحر فقال (ع) مخاطباً البحر : أيها العبد المطيع لربه أظهر مافيك .فانفلق البحر عن آخر مافيه،وظهر ماء أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأطيب رائحة من المسك وألذ من الزنجبيل، فقال الرجل للإمام : يا ابا عبد الله جُعلت فداك لمن هذا ؟ .قال (ع) : هذا للقائم واصحابه .قال الرجل : متى ؟.قال (ع) : إذا قام القائم واصحابه نفذ الماء الذي على وجه الأرض حتى لايوجد ماء فتضج المؤمنون بالدعاء،فيبعث الله لهم هذا الماء فيشربونه،وهو محرَّم على من خالفهم .ثم رفع الرجل رأسه فرأى في الهواء خيلاً مُسرَجة مُلجَمة ولها اجنحة فقال : يا ابا عبد الله ماهذه الخيل ؟ .فقال (ع) : هذه خيل القائم واصحابه .قال الرجل : فأركب شيئاً منها ؟ .قال (ع) : إن كنت من انصاره .قال الرجل : وأشرب من هذا الماء ؟ .قال (ع) : إن كنت من شيعته .
وبهذا أيقن الرجل برُأَى العين ان الإمام عالم بمافي أعماق البحر،ومطلع على كل ماسيجري في آخر الزمان،وجواب الإمام (ع) على قدر سؤال الرجل،وإلا فإن علمهم سلام الله عليهم لايقتصر على هذه الأمور فقط،ولاينتهي عند حد،فهم خزان العلم والحكمة،وهم نبع الخير والبركة والنور أينما حلُّوا،فلقد كان سلام الله عليه كسائر آباءه والصفوة المنتجبين من ذريته،ملجأ ودليل لكل حائر ومحتاج ومكروب،فقد قصده يوماً رجل فقال له : جعلت فداك ان ابي مات وكان من انصَب الناس،فبلغ من نصبه وعداوته أن كتم ماله عني في حياته وبعد وفاته،ولست اشك انه ترك مالاً كثيراً .فتختَّمَ له ابو عبد الله (ع) خاتماً (أي البسه خاتم) وقال له : اذهب بهذا الخاتم الى بَرَهوت فإن روحه صارت الى بَرَهوت .وسمّى له صاحب برهوت (أي أعلمه باسم صاحب برهوت) ثم قال (ع) له : نادي صاحب برهوت بإسمه ثلاث مرات فإنه سيجيبك .فأتى الرجل برهوت فنادى صاحبه بإسمه ثلاث مرات فأجابه في الثالثة : لبيك .وظهر له صاحب برهوت فناوله الرجل الطينة،فأخذها وقبَّلها ووضعها على عينيه ثم قال له : جئت من عند من فضَّله الله وأمر بطاعته ماحاجتك ؟ .قال الرجل : فأخبرته (أي اخبره بحاجته الى ابيه) .فقال له صاحب برهوت : إنه يجيئك في غير صورته . فتصور الأب في صورة خبيثة قال الرجل : فماشعرت اذ هو قد جائني والسلاسل في عنقه فقال : يابني .وبكي فعرفته حين تكلم قلت له : قد كنت اقول لك وانهاك عما كنت فيه .فقال لي : حصلت على الشقاء ثم قال لي : سل حاجتك قلت : حاجتي المال .فقال لي : قد خلَّفته في المسجد الذي كنت تراني اصلي فيه،احفر حتى تبلغ ذراعين او ثلاثة فإن فيه اربعة ألاف .
وبهذا فرَّج الإمام الصادق (ع) شدة الرجل،وسهَّل سبيله،ولم يكن احد غيره وقتها كفؤ لحل هذه المعضلة وغيرها،وفضائله (ع) وكراماته اكثر من ان نحصيها،واكبر من ان ينكرها او يجحدها الجاحدون،لكن بالرغم من ذلك هناك من أضلهم الشيطان واعماهم،يقول علي ابن ابي حمزة : حججت مع الصادق (ع) فجلسنا في بعض الطريق تحت نخلة يابسة،فحرك (ع) شفتيه بدعاء لم افهمه ثم قال : يانخلة أطعمينا مما جعل الله فيك من رزق عباده .قال ابن ابي حمزة : فنظرت الى النخلة وقد تمايلت نحو الصادق (ع) اوراقها وعليها الرطب .فقال (ع) : ادنُ وسمِّ وكُل .فأكلت منها رطباً أعذب رطب وأطيبه،فإذا نحن بإعرابي يقول : ما رأيت كاليوم سحراً أعظم من هذا .فقال الصادق (ع) له : نحن ورثة الأنبياء ليس فينا ساحر ولاكاهن،بل ندعو الله فيجيبنا،فإن أحببت ان ادعو الله فيمسخك كلباً،تهتدي منزلك وتدخل عليهم وتبصبص لأهلك .قال
الأعرابي بجهله : بلى (أي افعل وقصد بذلك ان يتحدى الإمام منكراً عليه قدرته على ذلك) فدعا الإمام (ع) الله بدعاء لم يُحجَب،فصار كلباً في وقته،ومضى على وجهه ،فقال لي الصادق (ع) : اتبعه .فتبعته حتى صار الى حيِّه،فدخل الى منزله فجعل يبصبص لأهله وولده،فأخذوا له عصى واخرجوه،فانصرفت الى الصادق (ع) فاخبرته بما كان منه،فبينما نحن في حديثه إذ أقبل حتى وقف بين يدي الصادق (ع)،وجعلت دموعه تسيل على خديه،واقبل يتمرغ في التراب ويعوي،فرحمه (ع) وهم سلام الله عليهم اهل العفو والرحمة،فدعا الله له فعاد الى حالته الأولى فقال الصادق (ع) له : هل آمنت يا إعرابي ؟ .قال الإعرابي : نعم ألفاً وألفاً (أي انه ايقن تمام اليقين بقدر الإمام ومنزلته عند الله سبحانه).وكل هذه المعاجز والكمالات للإمام الصادق (ع) وغيرها،لم يكن يشهدها في اغلب الأوقات الا الموالين لآل بيت رسول الله
(ص)،لأن بني امية وبني العباس ليس من صالحهم ان ينتشر لآل البيت فضل او مكرمة،فيعلو قدرهم عند الناس،وتقوى صلتهم بالناس،ويزداد ايمانهم بهم.
عن داوود الرقي قال : ان ابا عبد الله (ع)أمر غلامه ان يسرج حماره فركب وخرجنا معه (وكان معهم المفضل ورجل من بلخ) حتى برزنا الى الصحراء،ومضينا حتى انتهينا الى جُبٍ بعيد القعر (أي عميق جداً)،وليس فيه ماء فقال البلخي : اسقنا من هذا الجب فإن هذا جب بعيد وليس فيه ماء .فدنا اليه (ع) وقال : ايها الجب السامع المطيع لربه اسقنا مماجعل الله فيك .قال داوود : فوالله لقد رأينا الماء يغلي غلياناً حتى ارتفع على وجه الارض وشرب وشربنا .فقال داوود والمفضل : جعلنا الله فداك وماهذا،وإنما هذا أشبَهَ فيكم كشبه موسى بن عمران (أي ان هذه المعجزة تشبه معجزة النبي موسى (ع) حين ضرب الصخرة فانفجرت منها العيون فسقى قومه) .فقال (ع) : رحمكم الله تعالى .ثم مضى ومضينا معه حتى انتهينا الى نخلة يابسة لاسعف لها فقال الرجل البلخي : يا ابا عبد الله أطعمنا من هذه النخلة .فدنا (ع) الى النخلة وقال : أيتها النخلة الباسقة المطيعة لربها أطعمينا مما جعل الله فيك .قال المفضل : فأَنثَرَت علينا رطباً كثيراً فأكل وأكلنا معه .قال المفضل وداوود الرقي : جعلنا الله فداك ماهذا ؟ إنما يشبه فيكم كشبه مريم (أي ان هذه المعجزة تشبه معجزة السيدة مريم وتساقط الرطب الجني عليها وقت الولادة) .فقال (ع) : رحمكم الله تعالى .ثم مضى ومضينا معه حتى انتهينا الى ظبي،فوقف الظبي قريباً منه يُنَغِّّم ويُحرك ذنبه .فقال ابو عبد الله (ع) : أَفعل إن شاء الله تعالى .ثم اقبل (ع) وقال : هل علمتم ماقال الظبي ؟.قلنا : الله ورسوله وابن رسوله اعلم .فقال (ع) : إنه أتاني فأخبر أن بعض أهل المدينة نصب لأُنثاه الشِِرْكة فأخذها،ولها خشفان لم ينهضا ولم يقويا للرعي،فسألني ان أسألهم أن يخلُّو عنها،وضمن أنها إذا أرضعت خشفيها حتى يقويا أن تَرُدَّ عليهم فاستحلفته فقال : برئت من ولايتكم أهل البيت إن لم أُوفِ ذلك،وأنا فاعل إن شاء الله تعالى .قال المفضل وداوود : يشبه فيكم ذلك كشبه سليمان بن داوود (إي إن هذه المعجزة وهي تكليمه الظبي
تشبه معجزة النبي سليمان في معرفته لمنطق الطير والوحش وغيره) .فقال (ع) : رحمكم الله تعالى .وانصرف وانصرفنا معه فلما انتهى الى باب داره تلا (ع) هذه الآية : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ .قال (ع) : نحن والله الناس الذين ذكرهم الله في هذا المكان ونحن المحسودون .ثم اقبل علينا فقال: رحمكم الله تعالى اكتموا علينا ولاتذيعوه إلا عند أهله (أي لايخبروا بما رأوا من معاجزه إلا لموالي آل البيت) فإن المذيع علينا أشد مؤنة من عدونا .انصرفوا رحمكم الله .
يقول موسى ابن جعفر الكاظم (ع) : كنت عند ابي عبد الله (ع) ذات يوم وانا طفل خماسي (أي عمره خمس سنوات) إذ دخل عليه نفر من اليهود فقالوا : أنت ابن محمد نبي هذه الأمة والحجة على اهل الأرض ؟ .قال لهم : نعم .قالوا : إنا نجد في التوراة أن الله تبارك وتعالى آتى ابراهيم (ع) وولده الكتاب والحكمة والنبوة،وجعل لهم الملك والإمامة،وهكذا وجدنا ذرية الأنبياء لاتتعداهم النبوة والخلافة والوصية فمابالكم قد تعداكم ذلك ؟ وثبت في غيركم،ونلقاكم مستضعفين مقهورين لاتُرقَب فيكم ذمة نبيكم ؟! (أي ان كل الانبياء والاوصياء من قبل،ورَّوثوا النبوة او الوصاية لمن بعدهم فلم يغتصبها منهم احد،عدا انتم اهل البيت لم تثبت فيكم الخلافة ولا الإمامة بل
اغتُصَِبت منكم،ولم تُرَاعى حرمة رسول الله فيكم وانتم ابناءه فلماذا !!) .فدمعت عينا ابي عبد الله (ع) ثم قال: نعم لم تزل انبياء الله مضطهدة مقهورة مقتولة بغير حق،والظلمة غالبة، وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (أي ان قولكم أيها اليهود خاطيء فكل الانبياء كُذِّبوا وظُلِموا واستُضعِفوا وقُتِلوا بغير حق،علماً بأن اليهود هم اكثر الأقوام التي آذت وقتلت انبياءها،ونحن حجج الله نرى في هذا البلاء نعمة نشكر الله عليها، وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ .فأهل البيت هم المقصودون بهذه الآية،فهم من لم يقصروا في الشكر لله تعالى في السراء والضراء) .
والإمام الصادق (ع) شأنه شأن آبائه الطاهرين كان همه الأول هو المحافظة على دين جده (ص)،والسعي في نشره بين الناس،وبالرغم من محاربته ومحاصرته من قِبَل أعداء أهل البيت (ع)،إلا أنه كان له بعض المجال في نشر علومه ومعارفه،فكان له الفضل في تأسيس وتثبيت المذهب الشيعي،وذلك لانشغال بني العباس (لع) بالقضاء على بني أمية (لع) وتثبيت حكمهم،فبعد نهاية الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية كان السفاح يدَّعي الولاء لأهل البيت (ع)،فأخذ يعامل الصادق (ع) باللين،وكان مجبراً على ذلك،حيث كان الناس يدفعون للدولة اموال الخمس والزكاه والخراج،فتدفع الدولة رواتب عمالها وموظفيها من هذه الأموال،اما الإمام الصادق واصحابه فكانوا بعيدين عن هذه الجماعة المنتفعة بالأموال،حيث كانوا يأدون الخمس والزكاه الى الإمام فينفقها في وجوهها،وكان يغيظه ان الإمام بعيد عن سلطته
وتحكمه،فكان يستدعيه مراراً لمعاتبته او التقرب منه،دون أن يجرؤ على ايذائه في العلن،لئلا تعرف الناس حقيقة موقفه من اهل البيت فتنقلب عليه وتزعزع حكمه،لأن الناس ثارت مع بني العباس ضد بني امية،وسلمتهم الحكم على اساس حبهم ومناصرتهم لأهل البيت (ع)،ولما حل المنصور (لع) محل اخيه السفاح ظل يتعامل مع الإمام بالإحترام الشديد في البداية،وكان هدفه ان يجعل الإمام تحت تصرفه،لكن الإمام (ع) لم يستجب له وحذَّر اصحابه منه ومن اتباعه،وحين لم يجد المنصور (لع) سبيل الى الإمام صار يعمل على مضايقة اصحابه وتشتيت جموعهم،وكان يدس رجاله بين تلامذة الإمام فيقوموا بنشر الروايات المزورة ضد اهل البيت (ع)،كما بنى المنصور (لع) مدارس تعارض مدارس الإمام (ع)،وكان يكثر من استدعاء الإمام (ع) اليه بين وقت وآخر فيعاتبه حيناً ويهدده حيناً آخر،وهو في قرارة نفسه يتمنى لو يقتله بيده،لكن لعدم قدرته أخذ يعتقل اصحابه ويعذبهم،ولكن كان همه الكبير أن يتخلص من الإمام الصادق (ع)،وقد روي عن المنصور (لع) قوله : كنت كلما هممت بقتله يتراءى لي وجه رسول الله فيغمرني الخوف وتعجز يدي عن الحركة .
شتت شملهم وامتلت منهم اسجونه
كم شيخ بطباق السجن لاقى منونه
كلهم قضى اعليهم او قرت له عيونه
أخلا منازلهم او فرقهم بلمصار
او جعفر يشوف او يسمع الضجة بلبيوت
ويشوفهم فوق الهزل يمشون للموت
تجري دموعه والقلب بالحزن مفتوت
ماضي حكمهم بالإعدام صغار وكبار
ولم يزل المنصور (لع) يغتنم الفرص ويدبر المكائد،ويضيِّق على الإمام (ع) ويوقعه في المحذور،وقد ارسل في طلبه مراراً وعزم على قتله سرَّاً وجهاراً،لكن الله سبحانه كان يصرف عنه شره وبلاه،فمن مكائده التي نجاه الله منها انه وجه الى واليه على الحرمين : ان أحرق على جعفر ابن محمد داره .فالقى النار في دار ابي عبدالله (ع)،فأخذت النار في الباب والدهليز،فخرج ابو عبد الله (ع) يتخطى النار ويمشي فيها دون ان يصيبه أذاها ويقول : انا ابن أعراق الثرى انا ابن ابراهيم خليل الله (ع) .(اشارة منه (ع) الى ان النار كانت برداً وسلاماً على ابيه ابراهيم (ع)) .
فلم تغمض للملعون عين،ولا استقر له قرار حتى شاء القدر فسهَّل اليه تحقيق نيته الدنيئة،فلما احب الله تعالى شهادة وليه،وحضر وقته واحب
لقاءه،مكَّن عدوه منه فدس اليه سماً نقيعاً في عنب ورمان،فلما ذاقه الإمام (ع) وجد كأن من فيه الى سرته من يقطعه بالسكاكين او يشرحه بالمواسي،فصرخ الإمام : واجداه وامحمداه واعلياه وافاطماه واحسناه واحسيناه .فلم يُسمع الا صارخ وصارخة كل ينادي : وامسموماه
وامظلوماه . وارتفع الضجيج والبكاء من منزله،وداروا حوله وهو يجود بنفسه الشريفة نفسي له الفداء،أُمر اليه بطشت فأتوه به،فانحنى عليه بأبي وأمي وروحي وصار يتقيأ كبده قطعة بعد قطعة،وبقي ايام طريح الفراش يعالج السموم وقد اخضر جسده،واهله واصحابه وشيعته من حوله يأنون لمصابه،وقد اثقلهم الحزن والألم لم آل اليه سيدهم وإمامهم العظيم ابن خير البرية،ولما اشتد حاله وايقن بانتهاء اجله اوصى ولده الكاظم بكفالة اهله واولاده والفقراء والمساكين واكمال مسيرته الجهادية في سبيل الله،كان ابنه الكاظم (ع) جالساً عنده واضعاً رأسه في حجره وهو يبكي،فالتفت اليه وقال له : يابني ليس هذا وقت بكاء وتعزية وإنما هو وقت الوصية وقد حضرتني المنية،وقَرُبَ الحُمام الذي لابد منه،المكتوب على جباه الأنام،حان الفراق يابني .وجعل يوصيه بما هو أهله ويودعه علمه وأمره،نص على ابنه بالإمامة واسر اليه تلك الوصاية واظهرها،واشهد عليها جملة من الأوصياء والأعداء،
آجركم الله فبينما هو يوصيهم إذ عرق جبينه وسكن انينه وشخص بعينه في وجوه اهل بيته وقال : استودعكم الله خير المستودع وأقرأ عليكم السلام .ثم اسبل يديه ومد رجليه واغمض عينيه وتشهد وقرأ سورة يس والواقعة فلما ختمها فاضت روحه الطاهرة المقدسة،فضجوا اهله ضجة واحدة بالنداء واللطم والعويل والنياح،تزلزلت الحجرة بمن فيها الكل ينادي : وااماماه واسيداه وامصيبتاه،وماجت ارض المدينة باهلها،خرجت المخدارت من خدورها واوطانها معولات لاطمات للخدود كلٌّ تنادي : وااماماه .وخرجت المساكين والايتام ينادون : واضيعتاه وامحنتاه واقلة ناصراه .واما الإمام باب الحوائج فنادي : واطول حزناه بعدك يا ابتاه واحسرتاه من بعدك يا ابتاه وانقطاع ظهراه .أخذ في جهاز والده فغسله وحنطه وكفنه كما امره،وحمل جنازته الى البقيع وعيناه تهملان دموعاً فدفنه الى جوار ابيه وعمه :
الله اكبر يالها نكبة من الجور
اصبح إمام الكون بالسم قلبه مفطور
عاجله دهره والسبب وسفة المنصور
قطَّع بسمه كل كبود الهاشميين
ثوروا ياساميين الفخر شوفوا ولدكم
قلبه تقطع يرتجي يوصل فزعكم
ماهو نصف يكرام ما اتفزعون كلكم
للممتحن عالج يويلي غصة البين
ولنه السميدع سكن يا وسفة ونينه
أسبل اياديه او غمض للموت عينه
رجليه مدها ياخلق وأعرق جبينه
او فارق الى الدنيا سلالة آل ياسين
ثم ان الإمام باب الحوائج موسى ابن جعفر عظم الله له الأجر صار يبكي بقلب محترق ينادي :
صارت الصيحة من اهل بيته ولعويل
او موسى يغسل والده ودموعه تسيل
او نادى دقوموا ودعوه او صاحوا بالويل
في اوداعة الله ياشبل خير الوصيين
واجتمعت العالم على نعشه او شالوه
او جده قضى بالطف او جو له بخيل داسوه
او راسه على العسال للشامات ودوه
ليزيد ومنه الدم يجري على الخدين
**
