إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ميزان الإنسان عند الله

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ميزان الإنسان عند الله

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وآل محمد


    يقول تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة الحشر، الآية: 9].

    حين يُطلق الإنسان العنان لأنانيته، لا يجد متسعًا في نفسه للالتفات إلى غيره، وقد تقوده الأنانية المفرطة إلى الاعتداء على حقوق الآخرين.

    فتصبح الأنانية سجنًا للذات، ومصادرةً لإنسانيتها.

    إحياء روح الإنسانية
    ورسالة الدين إحياء الروح الإنسانية في شخصية الإنسان، بترشيد ممارسته لحب الذات، ليكون اهتمامه بغيره جزءًا لا يتجزأ من اهتمامه بذاته.

    فهو يعيش مع أبناء جنسه، يتأثر بهم كما يؤثر فيهم، ويحتاج إليهم كما يحتاجون إليه، ليس على مستوى المصالح المادية المتبادلة فقط، بل على صعيد المشاعر والعواطف الإنسانية أيضًا، فالإنسان السويّ يدرك قيمة الأحاسيس والمشاعر الإنسانية الإيجابية، فيما بينه وبين الآخرين.

    التحرّر من سجن الأنانية
    من هنا تؤكد المفاهيم والتعاليم الدينية على الإنسان أن يتحرّر من سجن أنانيته،

    وأن ينطلق في فضاء إنسانيته الرحيب، ليهتم بأبناء نوعه، ويتبادل معهم الاحترام والمشاعر الإيجابية، وليقدم للآخرين عطاءه وإحسانه.

    وحينئذٍ سيُسعِدُ ذاته، ويكسب الفلاح والنجاح.

    يقول تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة الحشر، الآية: 9].

    وتكرّرت هذه الجملة في الآية (16) من سورة التغابن، كما وردت الإشارة إلى مضمونها في الآية (128) من سورة النساء، في قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾.

    والشّح هو: البخل والحرص الشديد، بأن يهتم الإنسان بنفسه فقط، ولا يعطي للآخرين. فإذا وقى الإنسان نفسه من الوقوع في هذه الشرنقة، واستطاع تحرير ذاته منها، فقد أفلح ونجح في الدنيا والآخرة.

    العطاء للآخرين ارتقاء
    وكلما أعطى الإنسان من نفسه للآخرين، ارتقى في درجات الفلاح والنجاح. وعلى النقيض من ذلك، يكون إذا تضخمت أنانيته وتجاهل غيره وبخل بما عنده.

    يقول تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ ‏ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ‎ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ *‏ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ *‏ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ *‏ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ [سورة الليل، الآيات: 4-11].

    إنّ حياة المعطاء تتجه إلى مسار اليسر، بينما تتجه حياة البخيل إلى مسار العسر، فعن المعطاء يقول تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾، وعن البخيل يقول تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾.

    إنّ اليُسر والعسر في سيرتيهما يتمثلان في الحالة النفسية، وفي التفاعل الاجتماعي، وفي المستقبل الأخروي.

    فالمعطاء يعيش راحة نفسية؛ لأنّ نفسه عامرة منتعشة بالمشاعر الإيجابية واللذة المعنوية، والرجاء لتوفيق الله ورضاه، في مقابل توتر نفس البخيل بسبب شدّة حرصه، وانعدام المشاعر الإيجابية في نفسه.

    والمعطاء ينال محبّة الناس ويكسب ودّهم ويحظى باحترامهم، بينما يكره الناس البخيل ويمقتونه، حتى القريبين منه.

    وفي الآخرة فإنّ المعطاء بعيد عن النار والعذاب، وهو محظوظ بالثواب والنعيم في الجنة. بينما تتوعد آيات القرآن الكريم البخيل بالنار والعذاب يوم القيامة.

    ورد أنّ رجلًا قال للنبي محمد : أحبُّ أن أكونَ خيرَ الناسِ، فقال : «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ، فَكُنْ نَافِعًا لَهُمْ»

    وورد عن أمير المؤمنين علي : «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ أَخْرَجَ الْحِرْصَ مِنْ قَلْبِهِ»

    ورد في الحديث أنّ رجلًا سأل الإمام الحسن بن علي : من أحسن الناس عيشًا؟ قال : «مَنْ أَشْرَكَ النَّاسَ فِي عَيْشِهِ»، قيل: ومن شرّ الناس عيشًا؟ فقال : «مَنْ لَا يَعِيشُ فِي عَيْشِهِ أَحَدٌ»

    إنّ الاهتمام بالغير يثري المشاعر الإيجابية في نفس الإنسان، ويكسبه المحبة والاحترام، وينال به رضا الله وثوابه في الآخرة.

    ومن لطائف هذا المعنى أنّ الإنسان كلّما ضاق بأخيه صدرًا، ضاق بنفسه أكثر، وكأنّ الشحّ نارٌ خفيّة تأكل صاحبها قبل أن تمسّ غيره. أمّا إذا وسّع قلبه للآخرين، فإنّه في الحقيقة يوسّع أفق روحه، ويمنح ذاته سكينةً لا تُشترى. ميزان الإنسان عند الله
    ليس ميزان التفاضل في منطق السماء هو ما يملكه الإنسان، بل ما يقدّمه. فكم من إنسانٍ قليل ذات اليد، لكنّه عظيم العطاء، لأنّه يعطي من قلبه قبل يده، ويمنح من روحه قبل ماله. وكم من إنسانٍ يملك الكثير، لكنّه محروم من لذّة البذل؛ لأنّ الشحّ كبّله، وحبّ الذات أعمى بصيرته.
    يقول تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: 92]، فالعطاء الحقيقي ليس ما زاد عن حاجتك، بل ما تعلّق به قلبك، ثم قدّمته لوجه الله.
    العطاء ليس مالًا فقط
    وقد يظنّ البعض أنّ العطاء يقتصر على المال، بينما هو أوسع من ذلك بكثير. فالكلمة الطيبة عطاء، والابتسامة صدقة، ومواساة الحزين إحسان، وكفّ الأذى عن الآخرين لونٌ من ألوان العطاء.
    فقد لا يملك الإنسان مالًا، لكنّه يملك قلبًا رحيمًا، ولسانًا طيّبًا، وسلوكًا حسنًا، وهذه كلّها أبواب للفلاح. بل قد تكون أبلغ أثرًا من المال؛ لأنّها تمسّ القلوب وتُحيي المشاعر.
    تربية النفس على الإيثار
    إنّ التحرّر من الشحّ لا يحدث دفعةً واحدة، بل هو جهادٌ للنفس، وتربيةٌ مستمرة. يبدأ بخطوات صغيرة، كأن يقدّم الإنسان غيره على نفسه في موقفٍ بسيط، أو يتنازل عن حقٍّ يسيرٍ طلبًا للألفة والمحبة.
    ومع تكرار هذه المواقف، تتحوّل النفس تدريجيًا من حبّ الأخذ إلى حبّ العطاء، ومن ضيق الأنانية إلى سعة الإيثار.
    وقد مدح الله تعالى هذا الخُلق العظيم في عباده الصالحين فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [سورة الحشر، الآية: 9]، فالإيثار ذروة التحرّر من الشحّ، وأعلى مراتب الإنسانية.
    ثمار التحرّر من الشحّ
    وحين ينجح الإنسان في كسر قيود الأنانية، فإنّه يجني ثمارًا عظيمة:
    سكينة في القلب وطمأنينة في النفس
    محبّة في قلوب الناس وقبول بينهم
    بركة في الرزق والعمر والعمل
    وقبل ذلك كلّه: رضا الله تعالى والفوز بجنّته
    فليس العطاء خسارة كما يظنّ البعض، بل هو تجارةٌ رابحة، يزيد بها الإنسان في دنياه قبل آخرته.

    إنّ الشحّ ليس مجرّد صفةٍ مذمومة، بل هو حجابٌ يحول بين الإنسان وبين إنسانيته، وبين قلبه ونوره. والتحرّر منه هو بداية الطريق نحو الفلاح الحقيقي.
    فطوبى لمن راقب نفسه، وجاهد شحّها، ودرّبها على البذل والعطاء، حتى صار الخير طبعًا فيه، والإحسان خُلُقًا له.
    أولئك هم الذين وسعت قلوبهم للناس، فوسّع الله لهم في رحمته، وكتب لهم الفلاح في الدنيا والآخرة، مصداقًا لقوله تعالى:
    ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
يعمل...
X