إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً﴾

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ[1].

    في الآية الشريفة صورتان الأولى تمثيلية تتجسّد في واقعة قد تكون ذات طابع تجريبي حَدَث، أو يمكن أن يحدث فعلاً، ولعل أهمية هذه الصورة يفرضها سياق خاص يحقق قسطاً كبيراً من الإثارة.
    السياق هنا يتمثل في الآية الكريمة التي تعقب على صورة المدينة التي كانت آمنةً مطمئنة ذات يوم، ينعم أهلها بمختلف الطيبات، إلا أنهم لم يقدّروا هذه النعمة، فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف.
    لقد عقبت الآية الكريمة على هذا الجانب بقولها ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ
    [2].
    الهدف إذاً، هو مجيء رسالة الإسلام حيث كذّب الجاهليون هذه الرسالة ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
    والصورة التمثيلية جاءت لتبلور هذا السياق الذي وردت فيه حتى يتم من خلال التماثل بين المدينتين المدينة السابقة التي كفرت بأنعم الله، والمدينة الحاضرة التي كفرت برسالة الإسلام، يتمّ إحداث التأثير المباشر على المتلقي.
    والمألوف في صياغة الصور الفنية ومنها صور القرآن ذاته أن يتقدم الطرف الأول، أي: المشبّه على المشبه به كما لو افترضنا أنّ المقطع الذي نتحدث عنه يقول للمنحرفين: إذا كفرتم برسالة الإسلام فسوف يكون نصيبكم مماثلاً لقوم سابقين كفروا بنعم الله مثلاً، إلا أنّه في الصورة التمثيلية المتقدمة جعل الأمر معكوساً، فما هو السرّ الفني في ذلك؟
    فقضية التقديم تنطوي على لفت النظر لأهمية وخطورة ما يعتزم النص تقديم المثال له:
    فأولاً نجد أن السورة الكريمة ركّزت على قضية نعم الله المختلفة على الآدميين (الأنعام، النحل، المطر، النبات...الخ) وحينما قدمت الصورة التمثيلية المتصلة بسلوك المنحرفين إنما ركّزت أيضاً على جانب النِعَم، فلم تتحدث عن الجانب العقيدي عند هذه القرية بل تحدثت عن الكفران بالنعم فحسب، وهو أمر يتساوق مع المحور الفكري للسورة كما يفسّر لنا تقديم هذا الجانب مضافاً إلى خطورة ما ترتب على الكفران بالنعم مما يسوغ التقديم للمشبه به أيضاً.
    والمهم الآن هو الوقوف عند محتويات الصورة التمثيلية أولاً وصياغتها ثانياً.
    أما محتوياتها فتتمثل في تقديم جانبين يشكلان أهم دوافع الشخصية هما: الحاجة إلى الطعام والحاجة إلى الأمن، أما الحاجة إلى الطعام فلأنها تحقق استمرارية وتدفّق الحياة، وأما الحاجة إلى الأرض فلأنها في حالة توفر الطعام دون أن يصحبه أمن واستقرار تظل مطبوعة بأهمية كبيرة هي عدم فائدة توفير الطعام المصحوب بالخوف نظراً لعدم إمكانية التحسّس بمعطيات الطعام.
    هذا يعني أن محتويات الصورة التمثيلية جاءت منتقاة منتخبة بنحوٍ يتوافق مع أشد الحاجات أهميةً وإلحاحاً عند الإنسان.
    لننظر جديداً إلى صياغة هذا الجانب ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً﴾، ثم ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾، حيث شددت الصورة على كل من الاطمئنان والأمن مع أن أحدهما كافٍ في إثارة الهدف الفكري، إلا أن تسجيل كليهما الأمن والاطمئنان يكشف عن أشد مستويات الإشباع المتحقق في القرية المذكورة.
    والأمر نفسه بالنسبة إلى كون ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾، فسِمةٌ (رغد) تعني أشد مستويات الاشباع أيضاً حيث إن مجرد مجيء الرزق وتوفره كافٍ في إثارة الهدف، لكن النص بإضفاء صفة الرغد على الرزق أكسبه مزيداً من الإشباع أو التوازن أو الراحة التي طبعت مجتمع القرية المذكورة.
    فالتمثيل المتقدم تضمن صورة فرعية داخل الصورة الرئيسة، وهي الأمن والاطمئنان والرزق الرغد.
    وأما الصورة الثانية فهي الصورة الفرعية واقعها حسي أو نفسي أو لا واقع حسي لها أو غيبي ﴿فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾، إلا أن هذه الصورة الفرعية جاءت صورة مركبة تشبيه، استعارة، كناية، الخ حيث ربط المقطع بين ظاهرتين هما: الجوع أو الخوف واللباس، أي أوجَدَ علاقة جديدة بينها هي كون كل من الجوع والخوف قد خُلِعَ عليه اللباس.
    وأهمية هذا الخلع من الزاوية الفنية تتمثل في شمولية وشدة الخوف والجوع بحيث يغطيان مجتمع القرية مثلما يغطّي اللباسُ البدن.


    [1] سورة النحل، الآية: 112.
    [2] سورة النحل، الآية: 113.

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
يعمل...
X