بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[1].
الحديث هنا عن الثروة الحيوانية والطبيعية التي يستثمرها الكائن الآدمي في ظاهرة الطعام حيث كان الموضوع الأول في السورة (النحل) وما بعدها يتحدث عن الأنعام والأسماك والنحل والنبات ونحوها من العنصر المتمثّل بالغذاء في زحمة الحديث عن معطيات الله تعالى.
والآية الشريفة أشارت إلى الميتة ولحم الخنزير بصفتهما أحد أنماط الطعام المحرّم، كما ألمحت إلى (الدم) أيضاً، وهو بالرغم من كونه ليس بطعام إلاّ في موارد استثنائية، بيد أنه يجسّد عنصراً مشتركاً بينه وبين الميتة ولحم الخنزير من حيث كونها جميعاً منتسبة إلى ما هو (نجسٌ) من الأشياء.
كما أضافت إلى ذلك نمطاً آخر هو ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾، ويقصد به ما ذبح من الحيوان بغير الوجه الشرعي وهو غير المذكى منه. والمهم، بعد ذلك.
إن الحكم الإلهي المذكور بعد أن أوضح النمط المحرّم من الطعام قبالة المحلّل منه، أورد استثناءً من قاعدة التحريم متمثلاً بقوله تعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، حيث إن اضطرار الشخص بسبب حصر الطعام في المحظور وكونه لابدّ أن يسدّ الجوع الذي لا مجال لتأجيل إشباعه ما دام حاجةً حيويةً ملحة حينئذٍ فلا مانع في الحالات الاستثنائية المذكورة من التناول للطعام المحظور.
وفي هذه الآية تقديم رائع توضيحي جميل بعرض المحظور من الطعام وغيره مما حرّمه الله تعالى مقابل الطعام المحلّل الذي أشرنا إليه، وهذا يعني من حيث عمارة السورة وتلاحم أجزائها هندسياً إن موضوع الطعام من حيث كونه أهم محاور السورة من جانب، ومن حيث تقابل ما هو محللٌ ومعطىً حيال ما هو محظور من جانب آخر، يعني أننا حيال عمارة جميلة من بناء الموضوعات وتجانسها، الطعام من حيث كونه معطىً، والطعام من حيث كونه محلّلاً مقابل ما هو محرمٌ، حيث تكفّل المقطع نفسه ببيان هذا التقابل الهندسي بين المحلل والمحظور، وذلك عندما استهلّ في الآية السابقة موضوعاته بقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾[2].
إِنّ تلوّث هذه المواد الثلاث بات اليوم ليس خافياً على أحد، فالميتة مصدر لأنواع الجراثيم، والدم من أكثر مكونات البدن تقبلا للتلوّث بالجراثيم، وأمّا لحم الخنزير فيعتبر سبباً للإصابة بالكثير من الأمراض الخطرة، وفوق كل ذلك فتناول لحم الخنزير والدم له الأثر الخطير على الحالة النفسية والأخلاقية للإِنسان، بسبب التأثير الحاصل منهما على هرمونات البدن، والميتة بسبب عدم ذبحها وخروج دمها فإِنّ أضرار التلوّث تتضاعف فيها.
إن الحلال الطيب وكونه مرتبطاً بضرورة الشكر لِنعم الله تعالى لم يرد تفصيل فيه، إلا أن تفصيلاته تقدمت في أول السورة ووسطها كما هو واضح، لذلك اكتفت الآيات الثلاث بمجرد الإشارة حتى يتحقق عنصر الاقتصاد اللغوي من جانب وحتى يربط بين الموضوعات الموزعة في مقاطع متنوعة ومتباعدة من السورة من جانبٍ آخر.
أخيراً، في الآية اللاحقة حذّر الباري عز وجل من مخالفة هذه التوصيات المتصلة بنمط الطعام إباحةً أو حظراً ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾[3]، بصفة أنّ الإباحة أو الحظر محكومان بالمصلحة التي رسمها الله دنيوياً، وبصفة أنّ المخالفة عن ذلك لا ينسحب ضرره على المخالف صحيّاً فحسب بل يتجاوزه إلى الضرر الأخروي ما دام عدم الالتزام بمبادئ الله يستاق الشخصية إلى أن تتعرض للجزاء السلبي في اليوم الآخر.
إذاً، هذه الآيات الثلاث المذكورة تتكفّل من حيث الأفكار بتوضيح ما هو محظور من الطعام مقابل ما هو محللٌ منه، كما أنها تكفّلت من حيث البناء الهندسي بوصل الموضوعات بعضها بالآخر، بالنحو الذي تقدم الحديث عنه.
[1] سورة النحل، الآية: 115.
[2] سورة النحل، الآية: 114.
[3] سورة النحل، الآية: 116.
