بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
لقد عارض القرآن الذين اعتبروا الأموال والبنين هدفاً أصيلاً في الحياة وعاملاً لتكامل الإنسان وتقربه إلى الله عزّ وجلّ، وينظر إليهما كوسيلتين لاختبار الإنسان، يقول القرآن في آية:
﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ﴾ .
وعليه فإن الأموال والبنين -إضافةً إلى أنهما ليسا هدفين أصليين- لا يقرب امتلاكهما الإنسان من هدفه النهائي وهو القرب الإلهي.
يقول القرآن بأن الأموال والبنين وسيلتان للاختبار، ويتوقف دورهما في نيل الإنسان لكماله على الاستخدام الصحيح لهما.
لقد أعلن القرآن موقفه الخاص من الأموال والبنين في آيات مختلفة، فيقول في موضع:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
إنّ القرآن الكريم يعتبر الأموال والبنين بل كلّ النعم الدنيوية وسيلة للاختبار. ومن الطبيعي أن تكون وسيلة الاختبار جذابة. فلو لم يحبّ الإنسان الأموال والبنين ولم يأبه بهما لم يصبحا وسيلة لاختباره ليعلم هل يكتسبهما عن طريق صحيح ويصرفهما في طريق صحيح؟ وهل يتنازل عن الأموال إذا لزم ذلك أم لا؟
إذن يجب أن تكون الأموال والبنون جذابة لتكون وسيلة لاختبار الإنسان.
وعلاوة على هذه النكتة المأخوذة من مضمون الآية: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ نفهم أنه لا تعارض بين الآيتين إطلاقاً، وقد أشار بصراحة إلى هذه الدلالة وطرفها في موضع واحد من آية أخرى بقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾
ومن جهة أخرى نلاحظ قوله في بعض الآيات: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ حيث يشير إلى أن الإنسان إذا لم تخدعه الجوانب المادية وأفلح في الاختبار الإلهي فإنه سينال ما عند الله من أجر عظيم وحياة سعيدة.
وعلى هذا فإن المال كما قلنا ليس حسناً في ذاته، كما أنه ليس سيئاً في ذاته، بل إنه حسن إذا كان سلماً لارتقاء الإنسان ونيله للكمال، كما أنه إذا كان سداً ومانعاً من تكامل الإنسان فالواجب هو تركه في هذه الحالة كما يقول تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾
أو يقول:
﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾
إذن تتعلق القيمة السلبية للأموال والبنين بهذا الحب المفرط الذي يمنع من بلوغ الكمال المتوخى، وصد الإنسان عن الأعمال الصالحة ويدفعه لارتكاب القبائح، وقد روي عن المعصوم عليه السلام:
حب الدنيا رأس كل خطيئة
والقيمة الإيجابية تكون في ظل الدافع الإلهي والالتزام بالموازين الـصحيحة في اكتساب المال وإنفاقه واتخاذه وسيلة لنيل القرب الإلهي والـمنزلة الرفيعة عند الله.
