بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾[1].
عوالم متعددة ومتنوعة في يوم ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾[2]، ألا وهو يوم القيامة ومنها عالم تطاير الكتب، وكل مؤمن يقول: أشهد أنّ الموت حقّ، وأنّ القبر حقّ، وسؤال منكر ونكير حقّ، والحشر حقّ، والصراط والميزان حقّ، وتطاير الكتب حقّ... إلى آخر هذه الشهادات.
وهو تطاير صحائف الأعمال، إذ توضع الصحائف في رقبة الإنسان كالطوق، وحين تُفتح فإنّها تتطاير كما يطير الطائر والطائر من الحيوان كلّ ما يطير بجناحينِ وتتجّه إمّا صوب المقرّبين أو صوب أصحاب اليمين أو صوب أصحاب الشمال، باعتبار وقوف المقرّبين والمخلَصين في مكان خاصّ يوم القيامة، والأمر كذلك بالنسبة إلى أصحاب اليمين وإلى أصحاب الشمال.
فكلّ عمل عمله الإنسان سيلحق بالمقرّبين بمقدار ما له من درجة القُرب؛ أمّا إذا كان لعمل الإنسان سنخيّة مع أعمال أصحاب اليمين فسيطير صوب أصحاب اليمين، أمّا لو كانت سنخيّته مع أعمال أصحاب الشمال فسيطير تجاههم.
وقد ورد في تفسير الطبرسي: [﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾؛ مَعْنَاهُ وألْزَمْنَا كُلَّ إنْسَانٍ عَمَلَهُ مِنْ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ في عُنُقِهِ كَالطَّوْقِ لَا يُفَارِقُهُ؛ وإنَّمَا قِيلَ لِلْعَمَلِ: طَائِرٌ عَلَى عَادَةِ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: جَرَى طَائِرُهُ بِكَذَا][3].
وهناك معنى آخر للطائر، وهو أنّ الطائر كناية عن المقدّرات التي تُعطي للإنسان جزاء عمله، إذ يتفأل العرب بالطائر يمُناً وشؤماً؛ فهم يعتقدون مثلًا أنّ الغراب لو طار من الشمال إلى اليمين كان ذلك يُمناً، أمّا لو طار من اليمين إلى الشمال كان ذلك شؤماً، فإن شاهد الإنسان عند خروجه من داره غراباً يطير بهذه الكيفيّة أو تلك كان ذلك له يُمناً أو شؤماً، وإن هبطت بوم على سطح منزل، دلّ ذلك على الموت والفناء، أمّا لو هبطت حمامة ورقاء، دلّ ذلك على اليُمن والسعادة، ولا يعترف الإسلام بمثل هذه الامور لعدم وجود حقيقة وواقع لها، أمّا الأثر المترتّب عليها فليس إلّا الأثر النفسيّ لا غير؛ وتبعاً لذلك فقد نهى الإسلام عن الطَّيْرة.
فالآية الشريفة لا تقول: ونخرجه يوم القيامة كتابا، بل تقول: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ كِتاباً..﴾؛ والسرّ في ذلك هو أنّ أعمال الإنسان التي يفعلها كلّ ساعة وكلّ يوم لها صورة خارجيّة ولها أثر نفسانيّ، وهذا الأثر والنتيجة والحاصل النفسانيّ لا نفس الأعمال هو الذي يلازم نفس الإنسان.
حيث إنّ أفعاله لن توجد في نفسه في صورها الخارجيّة، وما سيلازم نفسه إنّما هو روح تلك الأفعال وحقيقتها.
ويتمثّل المراد بتعبير ﴿طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، بهذه النتيجة والأثر النفسيّ للعمل.
على أنّ الإنسان يشاهد يوم القيامة نفس الأعمال التي فعلها في الدنيا، إذ إنّ طائر الإنسان يلازمه في الدنيا وعند الموت وفي البرزخ وفي المحشر، وسيُشاهد المرء عين عمله وقد نُشر للعيان؛ ومفاد المقطع الأخير من الآية: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾، هو نفس مفاد آية: ﴿وإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾[4]، ويستفاد من جملة: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾[5].
فالناس إذاً يُدعون إلى كتابهم بواسطة الكتاب الأصل الذي يمثّل الإمام المبين روحَه، وهي نكتة جديرة بالتأمّل.
إنّ هذا الكتاب هو غير الكتب والصحائف العاديّة التي تُعطى للناس فيقرؤونها، ولو كانت كذلك لأمكن لجميع الناس قراءتها ومحاسبة بعضهم البعض الآخر.
ولكن يتّضح من قوله: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾، أنّ المراد هو الاطّلاع والهيمنة والتسلّط الذي يحصل لكلّ نفس على أعمالها.
فالمراد إذاً من أمر ﴿اقْرَأْ﴾، هو قراءة النفس المنسجمة مع ذلك العالم.
وهذه الآية في مصافّ الآية الشريفة: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأَخَّرَ﴾[6].
فهنيئاً للذين سلّموا قلوبهم إلى الله سبحانه، وجعلوها سجلّ تدوين تجلّيات الحقّ الجماليّة والجلاليّة، وللذين يخلو كتابهم من غير الله وذكره.
[1] سورة الإسراء، الآية: 13.
[2] سورة المعارج، الآية: 4.
[3] تفسير البيان، ج 3، ص 404.
[4] سورة التكوير، الآية: 10.
[5] سورة الإسراء، الآية: 14.
[6] سورة القيامة، الآية: 13.
