بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾[1].
لغرض تخفيف الكاهل علينا نقوم بحمل وزر الآخرين، فمَن يحمل مِن أوزار أحد إنّما يُخفّف مِن ثِقل كاهله، هذا هو معنى حَملُ الوِزر، أمّا إذا لم يُخفِّف فلا تَحمُّل مِن الوزر شيئاً.
فالوزر: بمعنى الحمل الثقيل، وأيضاً تأتي بمعنى المسؤولية، لأنَّ المسؤولية أيضاً حمل معنوي ثقيل على عاتق الإِنسان، فإِذا قيل للوزير وزيراً، فإِنّما هو لتحمله المسؤولية الثقيلة على عاتقه مِن قبل الناس أو الأمير والحاكم.
وصريح القرآن أنّ كل إنسان إنّما يتحمّل مسؤولية نفسه ولا يتحمّل مسؤولية غيره فيما عَمِل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[2].
لكن هناك في الدُعاة إلى حقّ أو باطل شأنٌ آخر، فهم شركاء فيما عَمِل المتأثِّرون بالدعوة، إنْ خيراً أو شرّاً، مثوبةً أو عقوبةً.
فلا يَحمل أحدٌ ذنبَ غيره، ولا يُخفّف عليه من وطئته، وإنْ كان يَشرُكُه فيما عَمِل وفيما يترتّب عليه من المثوبة أو الإثم من غير أنْ ينقصه شيئاً.
فمعنى ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ...﴾[3]، أنّهم يَحملون أثقالَ أنفسِهم مع أثقالٍ أُخر، وهي مِثل أوزار ما عَمِل التابعون وليست نفس أوزارهم، إذ لا ينقص مِن وزرِ الآثم شيء، وكلّ إنسانٍ رهينٌ بما اكتسب.
وكذا قوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾[4]، أي مِن مِثل أوزارهم وليست نفس أوزارهم إذ لكلّ امرئٍ ما اكتسب من الإثم، ولا مُوجب للتخفيف عنه مادام آثماً مَبغوضاً عليه.
ويتّضح ممّا ذكر أن ليس هناك من ظلم ولا حيف في حساب الناس يوم القيامة، وأن أحداً لن يُحاسَب بعمل غيره.
وأنّ أحداً لا يُحاسَب عبثاً، ولا يُجازى بأكثر ممّا ارتكب؛ إلّا أنّ من الممكن أن تكون هناك مداقّة في الحساب فيعامل المرء على أساس العدل.
وهناك روايات مُتعدِّدة حول مسألة السُنَّة السيئة والسنَّة الحسنة، والتي من اهمها الحديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: ((من سنَّ سنةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنَّ سنةً سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة))[5]، فهو شريكهم في جزائها وعواقبها، وهذا الأمر هو الآخر لا يتنافى مع قاعدة (ولا تزرُ وازرةٌ وزر أُخرى) لأنَّ المؤسس للسُنّة، يعتبر في الحقيقة أحد اجزاء العلة التامة للعمل، وهو بالتالي شريك في العمل والجزاء.
وهذا بطبيعة الحال فيما يتعلّق بالمجرمين والظالمين الذين ينكرون حقوق الفقراء والمستضعفين. كما أنّ من الممكن ألا يداقّ في الحساب على أساس من العفو والإغماض، فيُشمل المؤمن بالرحمة بعد حسابٍ يسير، ويُصان من طول الوقوف وعواقبه، وهو ما يتعلّق بالمؤمنين الذين بدرت منهم أخطاء عن جهل، دون أن ينطووا على الاستكبار والعُجب.
إنّ عفو الله لجميع العباد ليس قانوناً حتميّاً وعقليّاً، بل إنّ قاعدة العفو بإرادة الله ومشيئته، فهو يعفو عمّن يشاء ويغفر لمن يستحقّ العفو والمغفرة على أساس الحكمة. كما أنّه يمنع عفوه عمّن يشاء. ويحصل ذلك بالطبع على أساس المصلحة بالنسبة إلى المعتدين والمتجرّئين الذين نفخوا بوق الأنانيّة والاستكبار، والذين اعترضوا وتمرّدوا على الله سبحانه عن علم وعمد باستكبارهم وأنانيّتهم وتجبرهم، وبطبيعة الحال فإنّ العدل يمثّل قانوناً عامّاً قد يعمل الله به، إلّا أنّه تعالى ليس ملزماً بالعدل في مجازاة عبده وفي عدم شموله برحمته.
فالقاعدة والقانون العامّ إذاً هو العدل.
أمّا العفو والتسامح فيمثّلان أمراً ثانويّاً يخضع لإرادة الحاكم ومشيئته. ومن هنا فإنّ عدم احتساب الحسنات هو ممّا يخالف العدل، أمّا عدم احتساب السيّئات فأمر يوافق العفو.
[1] سورة الإسراء، الآية: 15.
[2] سورة المائدة، الآية: 105.
[3] سورة العنكبوت، الآية: 13.
[4] سورة النحل، الآية: 25.
[5] جامع أحاديث الشيعة، ج 14، ص 27.
