بسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
اللّٰهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَجِّلْ فَرَجَهُمْ وَألعَن عَدِوَّهُم
السَلامُ عَلَيْكُم وَرَحمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُه
وهب الله سبحانه وتعالى الكثير من النعم الإلهية للمخلوقات،
ومن بين تلك النعم الجمة نعمة خاصة هي
(يوم دحو الأرض)
ومعناه خلق الأرض وتقدير ما فيها وخضوعها لقانون الأسباب من شق المياه وتوفير المرعى وجعل نظام الليل والنهار إلى غيره مما يحتاج إليه في التنظيم منم ضروريات، حيث تشير الآيات والروايات الواردة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) إلى هذه المسألة قال تعالى:
{أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالَأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}[1]،
أمّا الروايات فمنها:
ما ورد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
وانزل الله الرحمة لخمس ليال بقين من ذي القعدة، فمن صام ذلك اليوم كان له كصوم سبعين سنة)[2]،
فقد اتفقت الكلمة على أنّ يوم دحو الأرض في شهر ذي القعدة في اليوم الخامس والعشرين منه، وإن أختلف العلماء والمفكرون في مسألة سبق أيّهما في خلقه على الآخر، فهل السموات سابقة للأرض في خلقها وإيجادها، أم أنّ الأرض سابقة للسماء في خلقها وإيجادها؟
خلق الأرض قبل خلق السماء:
لقد ذهب البعض إلى أن خلق الأرض حصل قبل خلق السماء؛ استناداً لقوله تعالى:
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[3]،
ففي هذه الآية تصريح بأنّ جميع ما في الأرض مخلوق قبل خلق السماء لأنّه قال فيها: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}، فأصل خلق ما في الأرض قبل خلق السماء،
أمّا القسم الآخر فذهب لخلق السماء قبل الأرض استناداً للآية التي تصف دحو الأرض في قوله تعالى:
{أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا}[4]،
حيث وصف الله تعالى كيفية خلق الأرض ودحوها، ثم أخرج منها الماء والمرعى بل كل ما يُحتاج إليه من مقومات المعيشة من طعام وجبال وأشجار، ونحو ذلك، بعد وصفه لكيفية خلق السماء،
إلا أنّ الملاحظ عليه أنّ آية دحو الأرض تتكلم عن الأشياء التي دحيت من تحت الكعبة وهذا شيء، ومسألةخلق الأرض أو الكعبة التي دحيت من تحتها الأشياء شيء آخر؛
فلا دلالة حينئذٍ على خلق السماء قبل الأرض.
وبناءً على هذا التفريق؛ فلا تكونُ الآيةُ مقتضيةً للدلالة على تأخر خلقِ الأرض عن خلْقِ السماء، نعم هي مقتضيةٌ للدلالة على تأخُّر دحوِ الأرض عن خلْقِ السماء،
والدحوُ بحسب هذا التفسير غير الخلْقِ والإنشاء، وبناءً على هذا التفسير يُمكن تصوُّر ما أفادته الرواياتُ من أنَّ يوم الخامس والعشرين من ذي القعدة هو يوم بسطِ الأرض تحتَ الكعبة.
ويُؤكِّد ذلك أنَّ الآيات من سورة النازعات ظاهرةٌ في تحقُّق التعاقبِ بين الليل والنهار قبل دحوِ الأرض وهو ما يُعبِّر عن أنَّ الدحو غيرُ الخلقِ والإنشاء؛ لأنّ الزمان والمكان وتعاقب الليل والنهار من مختصات الأرض.
ولقد أشارت الآية الكريمة {وَالَأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا} إلى ثلاث صفات:
1. دحو الأرض:
أي بسطها وتمهيدها الذي حصل قبل خلق السماء.
2. إخراج الماء من الأرض:
هو ايجاد الماء المستعمل في الشرب والغسل وسقي النبات والحيوان الذي جعل منه كلّ شيء حي.
3. إخراج المرعى:
يشمل جميع ما يأكله الناس والأنعام.
خلق البيت الحرام قبل خلق الأرض:
إنّ الوقت الذي حدث فيه دحو الأرض هو في يوم الخامس والعشرين من ذي القعدة من تحت الكعبة، ولقد نصت الروايات الشريفة على أنّ الكعبة الشريفة وجدت قبل الأرض، وهي أصل الأرض وأمها ومن تحتها اوجدت الأرض وما فيها من الموجودات وخلقت،
فعَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ:
(لِأَيِّ شيء سَمَّاهُ اللَّهُ الْعَتِيقِ؟ فَقَالَ:
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَيْتٍ وَضَعَهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا لَهُ رَبُّ سُكَّانُ يَسْكُنُونَهُ غَيْرَ هَذَا الْبَيْتِ فَإِنَّهُ لَا رَبَّ لَهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلٍ وَهُوَ الْحُرِّ، ثُمَّ قَالَ:
إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلٍ خَلَقَهُ قَبْلَ الْأَرْضِ ثُمَّ خَلَقَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِ فَدَحَاهَا مِنْ تَحْتِهِ)[5]،
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قوله:
(إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى دَحَا الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ إِلَى مِنًى، ثُمَّ دَحَاهَا مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، ثُمَّ دَحَاهَا مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى مِنًى فَالْأَرْضُ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَعَرَفَاتُ مِنْ مِنًى، وَمِنًى مِنَ الْكَعْبَةِ، وَكَذَلِكَ عِلْمُنَا بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ)[6].
قال الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام):
(وَعْلَةَ وُضِعَ الْبَيْتُ وَسَطِ الْأَرْضِ أَنَّهُ الْمَوْضِعُ الَّذِي مِنْ تَحْتِهِ دُحِيَتِ وَكَّلَ رِيحُ تَهَبَ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا تُخْرَجُ مِنْ تَحْتِ الرُّكْنِ الشَّامِيِّ، وَهِيَ أَوَّلُ بُقْعَةٍ وُضِعَتْ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهَا الْوَسَطِ لِيَكُونَ الْغَرَضُ لِأَهْلِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ فِي ذَلِكَ سَوَاءُ)[7].
المعنى اللغوي لدحو الأرض:
(الدحو: البسط. دحا الأرض: يدحوها دحوا بسطها، قال ابن الأعرابي: يقال هو يدحو بالحجر بيده أي يرمي به ويدفعه، قال: والداحي الذي يدحو الحجر بيده ، وقد دحا به يدحو دحواً، ودحا المطر الحصى عن وجه الأرض دحواً: نزعه)[8].
يقول فقهاء اللغة:
مصطلح دحاها أي جعلها كالدحية البيضة وهو ما يوافق أحدث الآراء الفلكية عن شكل الأرض فهي مدورة كالبيضة، وهذا اللفظ القرآني العجيب قاله القرآن الكريم قبل أن يكون هناك تلسكوب بل مجرد نظريات غير مدعومة بالصور والدليل العلمي.
دحو الأرض في القرآن الكريم:
هنالك آيتان في القرآن الكريم تحدثتا عن مسألة دحو الأرض وبلفظين مختلفين بحث دحو الأرض في الأولى بصورة مفصلة:
الاولى:
قوله تعالى: {وَالأرض بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا}[9]، جاءت المفردة في القرآن الكريم مصدراً بصيغة المفرد المذكر الغائب من باب فَعَلَ يفعُلُ، وقد عقد المفسرون في ذيل تفسيرهم لهذه الآية بحثا حول كيفية خلق الأرض وبسطها ومدّها.
إنّ قوله (والأرض بعد ذلك دحاها) أي ان الأرض بعد خلق السماء بسطها ومهدها للسكن البشري والحيواني، وهذا السكن يحتاج إلى أساسيات لا بُدّ منها وإلا لا تقوم الحياة، فأخرج منها ماءها ومرعاها) أي أخرج من الأرض عيون الماء المتفجرة، وأجرى وسلك فيها الأنهار، وأنبت فيها الكلأ والمرعي وإنبات نباتها ليقتات به الناس والأنعام، وأوجد ما تنتظم به الحياة.
أمّا الآية الثانية الدالة على دحو الأرض :
فقد قال سبحانه وتعالى: {وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا}[10].
طحو: (الطاء و الحاء و الحرف المعتل أصلٌ صحيح يدلُّ على البسط و المدِّ. من ذلك الطَّحْو وهو كالدَّحْو، و هو البَسْط، ويقال طحا بك هَمُّك بطحو، إذا ذهَب بك فى الأمر و مدَّ بك فيه، قال علقمة:
طحا بك قلبٌ فى الحِسانِ طَروبُ بُعَيد الشَّبابِ عَصْرَحان مشيبُ)[11].
جاء في تفسير الآية:
(طحو الأرض ودحوها بسطها، وما في وما بناها وما طحاها موصولة، والذي بناها وطحاها هو الله تعالى والتعبير عنه تعالى بما دون من لا يثار الابهام المفيد للتفخيم والتعجيب فالمعنى وأقسم بالسماء والشيء القوي العجيب الذي بناها وأقسم بالأرض والشيء القوي العجيب الذي بسطها)[12]، وأيضاً ورد في تفسيرها: (الطحو والدحو بمعنى يقال طحا بك همّك يطحو طحواً إذاً انبسط بك إلى مذهب بعيد قال علقمة:
(طَحـا بِـكَ قَلْـبٌ فِي الْحِسـانِ طَـرُوبٌ)، يقال طحا القوم بعضهم بعضاً عن الشيء إذا دفعوا دفعاً شديد الانبساط والطواحي النسور تنبسط حول القتلى وأصل الطحو البسط الواسع)[13].
دحو الأرض في الروايات الشريفة:
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْقَلِ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا أَبُو الْحَسَنِ يَعْنِي الرِّضَا (عليه السَّلام) فِي يَوْمِ خَمْسَةٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَالَ:
(صُومُوا، فَإِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِماً. قُلْنَا: جُعِلْنَا فِدَاكَ، أَيُّ يَوْمٍ هُوَ؟ قَالَ:
يَوْمٌ نُشِرَتْ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وَدُحِيَتْ فِيهِ الْأَرْضُ، وَنُصِبَتْ فِيهِ الْكَعْبَةُ، وَهَبَطَ فِيهِ آدَمُ (عليه السَّلام))[14]،
وعن الحسن بن راشد قال: (عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ الْوَشَّاءِ قَالَ : كُنْتُ مَعَ أَبِي وَ أَنَا غُلَامُ فَتَعَشَّيْنَا عِنْدَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ ، فَقَالَ لَهُ : لَيْلَةَ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وُلِدَ فِيهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَ وُلِدَ فِيهَا عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَ فِيهَا دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ)[15].
--------------------
([1])سورة النازعات, آية27- 31).
([2])السيد ابن طاووس, إقبال الأعمال ج ٢ ص ٢٧.
([3])سورة البقرة, آية: 29.
([4])سورة النازعات, آية:31.
([5])الشيخ الكليني, الكافي ج ٤ ص١٨٩.
([6])الشيخ الصدوق, من لا يحضره الفقيه ج ٢ ص ٢٤١.
([7])الشيخ الصدوق, عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج ١ ص ٩٧.
([8])ابن منظور, لسان العرب ج 5ص 227.
([9])سورة النازعات, آية:30.
([10])سورة الشمس, آية: 6.
([11])ابن فارس, معجم مقائيس اللغة ج3 ص445.
([12])السيد الطباطبائي, تفسير الميزان ج ٢٠ ص ٢٩٧.
([13])ابو الفضل الطبرسي, مجمع البيان ج 10 ص: 754.
([14])الشيخ عزيز الله عطاردي, مسند الإمام الرضا (عليه السلام) ج ٢ ص ١٩٥.
([15])الشيخ الحر العاملي, وسائل الشيعة ج ١٠ ص ٤٤٩.
اَللَّهُمَّ اكْشِفْ هَذِهِ الْغُمَّةَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ بِحُضُورِهِ وَعَجِّل لَّنَا ظُهُورَهُ (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً).
اللّٰهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَجِّلْ فَرَجَهُمْ وَألعَن عَدِوَّهُم
السَلامُ عَلَيْكُم وَرَحمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُه
وهب الله سبحانه وتعالى الكثير من النعم الإلهية للمخلوقات،
ومن بين تلك النعم الجمة نعمة خاصة هي
(يوم دحو الأرض)
ومعناه خلق الأرض وتقدير ما فيها وخضوعها لقانون الأسباب من شق المياه وتوفير المرعى وجعل نظام الليل والنهار إلى غيره مما يحتاج إليه في التنظيم منم ضروريات، حيث تشير الآيات والروايات الواردة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) إلى هذه المسألة قال تعالى:
{أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالَأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}[1]،
أمّا الروايات فمنها:
ما ورد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
وانزل الله الرحمة لخمس ليال بقين من ذي القعدة، فمن صام ذلك اليوم كان له كصوم سبعين سنة)[2]،
فقد اتفقت الكلمة على أنّ يوم دحو الأرض في شهر ذي القعدة في اليوم الخامس والعشرين منه، وإن أختلف العلماء والمفكرون في مسألة سبق أيّهما في خلقه على الآخر، فهل السموات سابقة للأرض في خلقها وإيجادها، أم أنّ الأرض سابقة للسماء في خلقها وإيجادها؟
خلق الأرض قبل خلق السماء:
لقد ذهب البعض إلى أن خلق الأرض حصل قبل خلق السماء؛ استناداً لقوله تعالى:
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[3]،
ففي هذه الآية تصريح بأنّ جميع ما في الأرض مخلوق قبل خلق السماء لأنّه قال فيها: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}، فأصل خلق ما في الأرض قبل خلق السماء،
أمّا القسم الآخر فذهب لخلق السماء قبل الأرض استناداً للآية التي تصف دحو الأرض في قوله تعالى:
{أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا}[4]،
حيث وصف الله تعالى كيفية خلق الأرض ودحوها، ثم أخرج منها الماء والمرعى بل كل ما يُحتاج إليه من مقومات المعيشة من طعام وجبال وأشجار، ونحو ذلك، بعد وصفه لكيفية خلق السماء،
إلا أنّ الملاحظ عليه أنّ آية دحو الأرض تتكلم عن الأشياء التي دحيت من تحت الكعبة وهذا شيء، ومسألةخلق الأرض أو الكعبة التي دحيت من تحتها الأشياء شيء آخر؛
فلا دلالة حينئذٍ على خلق السماء قبل الأرض.
وبناءً على هذا التفريق؛ فلا تكونُ الآيةُ مقتضيةً للدلالة على تأخر خلقِ الأرض عن خلْقِ السماء، نعم هي مقتضيةٌ للدلالة على تأخُّر دحوِ الأرض عن خلْقِ السماء،
والدحوُ بحسب هذا التفسير غير الخلْقِ والإنشاء، وبناءً على هذا التفسير يُمكن تصوُّر ما أفادته الرواياتُ من أنَّ يوم الخامس والعشرين من ذي القعدة هو يوم بسطِ الأرض تحتَ الكعبة.
ويُؤكِّد ذلك أنَّ الآيات من سورة النازعات ظاهرةٌ في تحقُّق التعاقبِ بين الليل والنهار قبل دحوِ الأرض وهو ما يُعبِّر عن أنَّ الدحو غيرُ الخلقِ والإنشاء؛ لأنّ الزمان والمكان وتعاقب الليل والنهار من مختصات الأرض.
ولقد أشارت الآية الكريمة {وَالَأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا} إلى ثلاث صفات:
1. دحو الأرض:
أي بسطها وتمهيدها الذي حصل قبل خلق السماء.
2. إخراج الماء من الأرض:
هو ايجاد الماء المستعمل في الشرب والغسل وسقي النبات والحيوان الذي جعل منه كلّ شيء حي.
3. إخراج المرعى:
يشمل جميع ما يأكله الناس والأنعام.
خلق البيت الحرام قبل خلق الأرض:
إنّ الوقت الذي حدث فيه دحو الأرض هو في يوم الخامس والعشرين من ذي القعدة من تحت الكعبة، ولقد نصت الروايات الشريفة على أنّ الكعبة الشريفة وجدت قبل الأرض، وهي أصل الأرض وأمها ومن تحتها اوجدت الأرض وما فيها من الموجودات وخلقت،
فعَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ:
(لِأَيِّ شيء سَمَّاهُ اللَّهُ الْعَتِيقِ؟ فَقَالَ:
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَيْتٍ وَضَعَهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا لَهُ رَبُّ سُكَّانُ يَسْكُنُونَهُ غَيْرَ هَذَا الْبَيْتِ فَإِنَّهُ لَا رَبَّ لَهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلٍ وَهُوَ الْحُرِّ، ثُمَّ قَالَ:
إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلٍ خَلَقَهُ قَبْلَ الْأَرْضِ ثُمَّ خَلَقَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِ فَدَحَاهَا مِنْ تَحْتِهِ)[5]،
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قوله:
(إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى دَحَا الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ إِلَى مِنًى، ثُمَّ دَحَاهَا مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، ثُمَّ دَحَاهَا مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى مِنًى فَالْأَرْضُ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَعَرَفَاتُ مِنْ مِنًى، وَمِنًى مِنَ الْكَعْبَةِ، وَكَذَلِكَ عِلْمُنَا بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ)[6].
قال الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام):
(وَعْلَةَ وُضِعَ الْبَيْتُ وَسَطِ الْأَرْضِ أَنَّهُ الْمَوْضِعُ الَّذِي مِنْ تَحْتِهِ دُحِيَتِ وَكَّلَ رِيحُ تَهَبَ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا تُخْرَجُ مِنْ تَحْتِ الرُّكْنِ الشَّامِيِّ، وَهِيَ أَوَّلُ بُقْعَةٍ وُضِعَتْ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهَا الْوَسَطِ لِيَكُونَ الْغَرَضُ لِأَهْلِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ فِي ذَلِكَ سَوَاءُ)[7].
المعنى اللغوي لدحو الأرض:
(الدحو: البسط. دحا الأرض: يدحوها دحوا بسطها، قال ابن الأعرابي: يقال هو يدحو بالحجر بيده أي يرمي به ويدفعه، قال: والداحي الذي يدحو الحجر بيده ، وقد دحا به يدحو دحواً، ودحا المطر الحصى عن وجه الأرض دحواً: نزعه)[8].
يقول فقهاء اللغة:
مصطلح دحاها أي جعلها كالدحية البيضة وهو ما يوافق أحدث الآراء الفلكية عن شكل الأرض فهي مدورة كالبيضة، وهذا اللفظ القرآني العجيب قاله القرآن الكريم قبل أن يكون هناك تلسكوب بل مجرد نظريات غير مدعومة بالصور والدليل العلمي.
دحو الأرض في القرآن الكريم:
هنالك آيتان في القرآن الكريم تحدثتا عن مسألة دحو الأرض وبلفظين مختلفين بحث دحو الأرض في الأولى بصورة مفصلة:
الاولى:
قوله تعالى: {وَالأرض بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا}[9]، جاءت المفردة في القرآن الكريم مصدراً بصيغة المفرد المذكر الغائب من باب فَعَلَ يفعُلُ، وقد عقد المفسرون في ذيل تفسيرهم لهذه الآية بحثا حول كيفية خلق الأرض وبسطها ومدّها.
إنّ قوله (والأرض بعد ذلك دحاها) أي ان الأرض بعد خلق السماء بسطها ومهدها للسكن البشري والحيواني، وهذا السكن يحتاج إلى أساسيات لا بُدّ منها وإلا لا تقوم الحياة، فأخرج منها ماءها ومرعاها) أي أخرج من الأرض عيون الماء المتفجرة، وأجرى وسلك فيها الأنهار، وأنبت فيها الكلأ والمرعي وإنبات نباتها ليقتات به الناس والأنعام، وأوجد ما تنتظم به الحياة.
أمّا الآية الثانية الدالة على دحو الأرض :
فقد قال سبحانه وتعالى: {وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا}[10].
طحو: (الطاء و الحاء و الحرف المعتل أصلٌ صحيح يدلُّ على البسط و المدِّ. من ذلك الطَّحْو وهو كالدَّحْو، و هو البَسْط، ويقال طحا بك هَمُّك بطحو، إذا ذهَب بك فى الأمر و مدَّ بك فيه، قال علقمة:
طحا بك قلبٌ فى الحِسانِ طَروبُ بُعَيد الشَّبابِ عَصْرَحان مشيبُ)[11].
جاء في تفسير الآية:
(طحو الأرض ودحوها بسطها، وما في وما بناها وما طحاها موصولة، والذي بناها وطحاها هو الله تعالى والتعبير عنه تعالى بما دون من لا يثار الابهام المفيد للتفخيم والتعجيب فالمعنى وأقسم بالسماء والشيء القوي العجيب الذي بناها وأقسم بالأرض والشيء القوي العجيب الذي بسطها)[12]، وأيضاً ورد في تفسيرها: (الطحو والدحو بمعنى يقال طحا بك همّك يطحو طحواً إذاً انبسط بك إلى مذهب بعيد قال علقمة:
(طَحـا بِـكَ قَلْـبٌ فِي الْحِسـانِ طَـرُوبٌ)، يقال طحا القوم بعضهم بعضاً عن الشيء إذا دفعوا دفعاً شديد الانبساط والطواحي النسور تنبسط حول القتلى وأصل الطحو البسط الواسع)[13].
دحو الأرض في الروايات الشريفة:
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْقَلِ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا أَبُو الْحَسَنِ يَعْنِي الرِّضَا (عليه السَّلام) فِي يَوْمِ خَمْسَةٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَالَ:
(صُومُوا، فَإِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِماً. قُلْنَا: جُعِلْنَا فِدَاكَ، أَيُّ يَوْمٍ هُوَ؟ قَالَ:
يَوْمٌ نُشِرَتْ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وَدُحِيَتْ فِيهِ الْأَرْضُ، وَنُصِبَتْ فِيهِ الْكَعْبَةُ، وَهَبَطَ فِيهِ آدَمُ (عليه السَّلام))[14]،
وعن الحسن بن راشد قال: (عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ الْوَشَّاءِ قَالَ : كُنْتُ مَعَ أَبِي وَ أَنَا غُلَامُ فَتَعَشَّيْنَا عِنْدَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ ، فَقَالَ لَهُ : لَيْلَةَ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وُلِدَ فِيهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَ وُلِدَ فِيهَا عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَ فِيهَا دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ)[15].
--------------------
([1])سورة النازعات, آية27- 31).
([2])السيد ابن طاووس, إقبال الأعمال ج ٢ ص ٢٧.
([3])سورة البقرة, آية: 29.
([4])سورة النازعات, آية:31.
([5])الشيخ الكليني, الكافي ج ٤ ص١٨٩.
([6])الشيخ الصدوق, من لا يحضره الفقيه ج ٢ ص ٢٤١.
([7])الشيخ الصدوق, عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج ١ ص ٩٧.
([8])ابن منظور, لسان العرب ج 5ص 227.
([9])سورة النازعات, آية:30.
([10])سورة الشمس, آية: 6.
([11])ابن فارس, معجم مقائيس اللغة ج3 ص445.
([12])السيد الطباطبائي, تفسير الميزان ج ٢٠ ص ٢٩٧.
([13])ابو الفضل الطبرسي, مجمع البيان ج 10 ص: 754.
([14])الشيخ عزيز الله عطاردي, مسند الإمام الرضا (عليه السلام) ج ٢ ص ١٩٥.
([15])الشيخ الحر العاملي, وسائل الشيعة ج ١٠ ص ٤٤٩.
اَللَّهُمَّ اكْشِفْ هَذِهِ الْغُمَّةَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ بِحُضُورِهِ وَعَجِّل لَّنَا ظُهُورَهُ (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً).
