إنعكست طبيعة شخصيّة الحاكم في كل عصر من حياة الائمة على حياة معصوم ذلك العصر إنعكاساً يكاد يكون كاملاً غير منقوص ، بلّ إنعكست على حياتهم خفايا وعُقد تلك الشخصيات التي تخفى على المعاصرين فضلاً عن النقولات التاريخية التي كتبتها أقلام مأجورة في الغالب .. !!
وهنا يكمن سرّ النظرة والقراءة المختلفة لشخصيّة الحكّام والخلفاء في تاريخ الإسلام بين مدرسة أهل البيت عليهم السلام والمدارس الأخرى .. فنحن ننظر إلى تاريخ الخلفاء من حيثية المنظومة الإسلامية التي تؤمن بالخلافة الشرعية ، المنظومة العقائدية والتشريعية والأخلاقية للائمة الاثني عشر صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وسيرتهم عليهم السلام هي أهمّ وسائل عرض وبيان تلك المنظومة الحقّة ، وعليها يتضح بيان مخالفيهم ومناوئيهم أيضا وبأجلى صورة .. !
فلا تعنينا - كتاريخ إسلامي - من الحاكم والخليفة غير جوانبه التي تتصل بالإسلام الحق الذي نعتقد به .. وهذه الجوانب هي المقياس الحقيقي بالنسبة لنا أولاً والذي يعنينا منه ثانيا ، خاصةً وأنهم ليسوا رؤساء دول - كما نفهم رئيس الدولة اليوم - وإنما خلفاء وأمراء مؤمنين كما يدّعون وكما يذكرهم التاريخ بهذه الصفة والوظيفة ..
وهذا منهج قرآني في حقيقته ، فالقرآن الكريم عندما تعرّض الى تاريخ الطغاة ، فرعون وهامان وقارون والنمرود وأبي لهب .. وأقوامهم ، عاد وثمود .. إنما ذكرهم من حيثية أنبيائهم وطبيعة تعاطيهم مع رسالات السماء التي بُعثوا بها .. وليس من حيثيات أخرى .. فتأمل .
وبمناسبة ذكرى شهادة الإمام الجواد عليه السلام في الآخر من ذي القعدة ، نريد أن نطبّق الفكرة أعلاه على حياته ونرى من خلالها شخصيّة حكّام عصر إمامته وعلى وجه الخصوص شخصيّة المأمون العباسي .. وهذا ما نحاول إختصاره هنا :
شخصيّة المأمون العباسي ( 170-218 هـ / 786-833 م ) من الشخصيّات المركبة ، أو لنقل شخصية إزدواجية ، والشخصيّة من هذا النوع تكون معقّدة وتصرّفاتها أكثر تناقضاً وتنافرا .. ولهذا فهي تُعد من الشخصيّات الجدليّة في التأريخ .
وبتحليل سريع لشخصيّة المأمون سنرى طبيعتها المتنافرة بكل وضوح ، ويتجلّى ذلك في تصرفاتها ، فهو من جهة كان محبّاً ومريداً للعلم ومجالسه وروّاده ومصادره .. ومن جهة أخرى كان شغوفاً بالسلطة ومستميتاً عليها ولم ينجُ مَن ينازعه عليها حتى أقرب الناس إليه وهو الأمين ..!!
تميّز المأمون عن بقية خلفاء بني العباس بعمق ثقافته وسعة اطلاعه ، فلم يكن مجرد راعٍ للعلم بل كان عالماً ومناظراً بنفسه .
أسس المأمون حركة واسعة للترجمة ونقل العلوم من لغات وثقافات أخرى ، فيقال أنه كان يدفع وزن الكتب المترجمة ذهباً ، مما نقل من معارف اليونان والفرس والهند إلى العربية . الى الدرجة التي أشارت بها بعض المصادر إلى أن شيخ المترجمين حنين بن إسحاق كان يتعمّد أحياناً إستخدام ورق غليظ وثقيل الوزن وكتابة السطور بشكل متباعد ومقاسات كبيرة ليزداد وزن الكتاب وبالتالي تزيد مكافأته ..
ويُذكر كذلك أنّ المأمون قد تبنّى الفكر الاعتزالي الذي يقدّس العقل ويقدّمه على النقل في فهم العقيدة ، وتحوّلت بغداد في عهده إلى ساحة للمناظرات الفكرية الكبرى .
ومما يُذكر أيضاً أنه رعى المرصد الفلكي في بغداد وشجّع علوم الرياضيات والفلك والطب ، وظلّ شغوفاً بالبحث عن المخطوطات النادرة في أرجاء العالم .
هذا جانب من شخصيّته ، ويقابله جانب آخر مناقض له ، وهو حب السلطة ، حيث يكشف لنا سلوك المأمون السياسي أنه مستعد لعمل أي شيء في سبيل الحفاظ على عرشه وتوطيد أركان دولته .
فقد تجلّت شهوة الحكم لديه في صراعه التاريخي المرير ضد أخيه الأمين ، والذي انتهى بمقتل الأمين واجتياح بغداد من أجل انتزاع الخلافة .
واستغلّ محنة خلق القرآن لتثبيت أركان حكمه وخلافته حيث صيّرها من قضية فكرية إلى أداة سياسية لإخضاع الفقهاء والمحدّثين وسحق أي معارضة دينية تهدد شرعية الدولة ، فتمثل بشخصيّة المستبدّ المستنير ..!!
ولهذا تذهب بعض التحليلات الى أن عصر المأمون أثبت أن العلم كما يمكن أن يكون أداة جبّارة لبناء الحضارة ، يمكن أن يتحول أيضاً إلى وسيلة من وسائل السلطة وفرض السيطرة الفكرية والسياسية على المجتمع ..
وتأسيساً على ما ذكرناه أعلاه ، فقد واجه الإمام الجواد عليه السلام سلوكاً متناقضاً من قبل المأمون تمثّل في التباين الصارخ بين التكريم الظاهري والعداء الخفي .
قرّبه المأمون إلى البلاط وزوّجه إبنته ( أم الفضل ) ، غير أنّ ذلك عبارة عن مناورة سياسية لإمتصاص غضب الشيعة على قتل أبيه الإمام الرضا عليه السلام مع فرض نوع من الإقامة الجبرية ومراقبة تحرّكات الإمام الجواد عليه السلام ..!
كما أنّ السلطة أظهرت إحتراماً كبيراً لعلمه عليه السلام ، فعقدت مناظرات كبرى ، كمناظرة يحيى بن أكثم ، وكذلك أنّ وراء ذلك محاولة لإحراج الإمام وإثبات عدم أهلّيته للإمامة نظراً لصغر سنه ، على الأقلّ من قبل حواشي المأمون والمقرّبين منه ..
وتذهب بعض التحليلات التاريخية إلى أنّ تقريب الامام الجواد من قبل المأمون هو " العناق القاتل " بالنسبة للإمام ، فقد عُزل عن قواعده ، وقُطعت صِلته الشديدة بوكلائه وقواعده الشعبية ..
فالسلوك المتناقض للمأمون العباسي تجاه الإمام الجواد ( عليه السلام ) لم يكن عفوياً ، بل كان استراتيجية سياسية معقّدة لتحقيق مصالح السلطة دون صدام مباشر مع المعارضة الشيعية ..
بعد رحيل المأمون تسنّم أخوه المعتصم أمور الخلافة ، فانعكست شخصية هذا الأخير على خلافته أيضا ، فكان بعيداً عن الأجواء العلمية والثقافية ، بل كارهاً للتعلّم ومبغضاً للكتاب .. كما أنه لا يجيد الدبلوماسية - كما يقال - في السياسة والحكم وكان ميّالاً الى البطش والشدّة ، عديم الثقة بمقرّبيه .. وعلى أثر كل ذلك لجأ الى التصفية المباشرة للإمام الجواد عليه السلام خلال فترة وجيزة من حكمه لعنة الله تعالى عليه ..
آجركم الله
