إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الطواف حول الكعبة وهندسة التوحيد

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الطواف حول الكعبة وهندسة التوحيد


    الطواف سبعة اشواط حول الكعبة المشرّفة هو أحد واجبات الحج ( والعمرة ) التي بنبغي أن يأتي بها القاصد لبيت الله كحكم فقهي لازم تتوقف عليه صحّة هذه الفريضة المقدّسة .

    والملُاحظ أن الفرد عندما يريد الإنتقال من مكان إلى آخر فإنه في العادة يتحرّك حركةً خطيةً مستقيمة أو منحنية ولكنها لا تكون دائرية ..!! لأنه سيعود الى نفس نقطة الإنطلاق ، وعليه فإنه كلّما كان المسير أكثر إستقامة كلّما كان وصوله أسرع بإعتبار أن أقرب مسافة بين نقطتين هو الخط المستقيم الواصل بينهما .

    والطواف حول الكعبة حركة دائرية يبدأ من نقطة ( ركن الحجر الأسود ) وينتهي بها ، وهذا ما يدعو الى التأمل :

    ● التأمل الأول : أن نفهم بأن ركن الحجر الأسود بعنوان الإنطلاق يختلف عنه بعنوان الوصول الأول ، والوصول الثاني يختلف عن الثالث .. ، فعند الانطلاق الأول منه مثلاً لم يكن الطائف قد مر على أركان الكعبة بعد ، ولم يقرأ دعاء الشوط الأول ، وهذه كلّها عبادات ومنازل معنوية وروحية لم يكسبها بعد ، وعليه لم يأخذ أو يستحق من ركن الشروع بقدر ما يأخذ منه وهو قد سلكها ونجح في إجتيازها مرةً وثانية وثالثة .. وسابعة . كجرعة الدواء التي يصفها الطبيب ثلاث مرات في اليوم ولفترة أسبوع مثلا ، فإنها ليس تكراراً ، وإنما نسبة تأثير القرص الثاني تختلف عن الأول .. فتأمل .

    والتكرار الظاهري هو صفة مشتركة لجميع العبادات تقريباً ، فنحن نصلّي الظهر كلَّ يوم ، ونصوم شهر رمضان كلَّ عام .. غير أن حقيقته غير ما هو ظاهر بلا شك .. فدرجات السلّم متناظرة ولكن في واقعها مرقى وعلوّ ..
    يقول الشافعي :

    وَكُلَّمَا زَادَنِي الرَّحْمَنُ نَافِلَةً
    زَادَتْ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا بِهِ شَرَفِي

    والفرزدق :

    إِذَا دَاوَمَ العَبْدُ المُلِحُّ عَلَى التُّقَى
    كَسَاهُ جَلَالاً المَالِكُ المُتَكَرِّمُ

    وهي هندسة كونية أيضاً ، فدوران الأرض حول نفسها ليس تكراراً وإنما يخلق لنا هذا الدوران يوماً جديدا ، ودوران القمر حول الأرض يضيف للزمن شهراً جديدا ، ودوران الأرض حول الشمس سنةً جديدة وهكذا ..
    وهذا كله نوع كدح وتسبيح وعبادة للكون نحو كماله وقربه من بارئه ، قال تعالى [ وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ] يس ٣٨ ، وقال تعالى [ تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا ] الإسراء ٤٤

    ● التأمّل الثاني : الطواف يبدأ - كما هو معروف - من ركن الحجر الأسود ، والحجر الأسود كما في الروايات هو جوهرة من الجنة أودعت به مواثيق الخلق في عالَم الذر ، فلله تعالى على خلقه مواثيق قد أخذها منهم قبل أن يأتوا الى الدنيا ، تتعلق تلك المواثيق بالإقرار بالربوبية والرسالة والولاية ..

    وكما أن الحجر الأسود يُمثّل الصندوق الأسود الذي خُزنت فيه أسرار الخلائق في النشأة السابقة ، من عهود ومواثيق ، فإنه كذلك في هذه النشأة يقوم بدور حفظ وتسجيل مَن وافاه وجدّد معه البيعة والميثاق .. فعن محمد بن مسلم ، عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : استلموا الركن فإنه يمين الله في خلقه ، يصافح بها خلقه مصافحة العبد أو الرجل ، يشهد لمن استلمه بالموافاة ) . وعن أبي عبدالله ( عليه السلام ) : ( إن للحجر لساناً ذلقاً يوم القيامة يشهد لمن وافاه بالموافاة ) .

    من هنا يمكن أن نفهم الطواف على الفكرة التالية : هو أن يعاهد الطائف ربّه قُبيل شروعه بالطواف ، ويودع - يضع - عهده عند الحجر الأسود ، بعدها يُسمح ويؤذن له بعمل دورة عبادية ويُعطى الفرصة ليأخذ نصيبه من الكمال والقرب الإلهي وبمقدار وفائه لربه ، فالطواف صلاة كما ورد ، ثم يعود الى الحجر ويطلب منه أن يشهد له بالموافاة على ما عاهد الله عليه ، حيث يُستحب أن يقول عند وصوله اليه ( أمانتي أدّيتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة ) .. فيكون الطواف عندها دورة مصغّرة من دورة كبرى تتمثل بوجود الإنسان من نشأته ومبدئهِ حتى معاده ..

    وفكرة المعاهدة من قِبل الطائف ليست غريبة على توجيهات وإرشادات الائمة عليهم السلام ، ففي رواية الشبلي المعروفة يسأله الإمام زين العابدين عليه السلام : ( أدخلت الحرم ورأيت الكعبة وصلّيت ؟ ) قال الشبلي : نعم ، قال عليه السلام : ( فحين دخلت الحرم نويت أنّك حرّمت على نفسك كلّ غيبة تستغيبها المسلمين من أهل ملّة الإِسلام؟ ) قال الشبلي : لا ، قال عليه السلام : ( فحين وصلت مكّة نويت بقلبك أنّك قصدت الله ؟ ) قال الشبلي : لا ، قال عليه السلام : ( فما دخلت الحرم ولا رأيت الكعبة ولا صلّيت ) ..

    ● التأمل الثالث : يدخل عامل الزمن في تفاصيل حياة الإنسان كلها ، فعباداته وانشغالاته تدور ضمن توقيتات صارمة ، تمثل بمجموعها سنوات عمره بل ساعاته في هذه الدنيا . ومن ثم تنتظره ساعة يتوقف فيها كل شيء ، لينتقل إلى نظام آخر مختلف تمام الاختلاف عما اعتاد عليه في هذه النشأة .

    وفي عصر السرعة الذي نعيشه ، يشهد الإنسان اهتماماً بالغاً بمسألة إدارة الوقت ، فلكثرة مشاغله وتزايد اهتماماته وحاجاته ومتطلبات حياته ، استدعى الأمر أن يُسجن ويُقيّد داخل نظام محكم ودقيق للوقت !

    فإذا كانت الأقوام السابقة قد عبدت الشمس والقمر باعتبارهما ساعة كونية تضبط حركة عملهم اليومية ومواسم زراعتهم الفصلية ، فإن إنسان اليوم بات يعبد عقارب ساعته ، وعلى حركتها تتم جدولة أعماله ، هذه الساعة التي تحسب عليه الدقائق والثواني ، لا الشهور والسنوات !

    وفي ظل هذا الشرك الخفي للزمن ، وهذه السرقة الكبرى من عمر الإنسان على حساب الهدف الأسمى من خلقه ، يأتي الطواف حول الكعبة ليحطم أصنام الزمن وآلهة التوقيت الصارم ، ويجعل الطائف يدور عكس عقارب الساعة ، ليمثل تمرداً صارخاً على هذا السجن الزماني ، ويحطم أقفاله ، ويعلن عبادته لله إلهاً واحداً أحداً ، لا شريك له ولا عديل .

    في كتاب علل الشرائع ، سئل الإمام الصادق (عليه السلام) : لم سمّيت الكعبة ؟ قال (عليه السلام) : لأنّها مربّعة ، فقيل له : ولم صارت مربّعة ؟ قال (عليه السلام) : لأنّها بحذاء البيت المعمور وهو مربّع ، فقيل له : ولم صار بيت المعمور مربّعاً ؟ قال (عليه السلام) : لأنّه بحذاء العرش وهو مربّع ، فقيل له : ولم صار العرش مربّعاً ؟ قال (عليه السلام) : لأنّ الكلمات التي بني عليها الإسلام أربع : «سبحان الله»، و «الحمد لله»، و «لا إله إلّا الله»، و «الله أكبر».

    فكأن الكعبة ساعة ، وعقاربها الطائفون ، وساعاتها أربع تمثلها التسبيحات الأربعة التي بها يصل العبد الى مراده ومبتغاه ..​
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
يعمل...
X